تبوّل الجنود الأميركيين على جثت قتلى «طالبان» جدد الانتقادات للممارسات العسكرية الأميركية. رويترز

فيسك: تبوّل جنود أميركيين على جثث «طالبان» فضيحة أخلاقية

ترى كم من التجاوزات الخطرة حدثت في كل من العراق وأفغانستان بعيداً عن الكاميرا أو عيون وسائل الإعلام؟ بغض النظر عما اذا كان هذا العدد قليلاً او كثيراً، فإن شريط الفيديو الذي يظهر الجنود الأميركيين وهم يتبولون على جثث قتلى مسلحي حركة طالبان الافغانية لا يشير الى مجرد شخص فاسد او مجموعة اشخاص فاسدين، وإنما يشير إلى شرور الحرب ورعبها.

وهناك الكثير من الصور ولقطات الفيديو المصورة التي تظهر حراسا من الشبان الافغان يقفون بجانب الجنود الاميركيين، وحارسة عراقية مسلحة بجانب جنود اميركيين في سجن ابوغريب، وجنودا الى جانب جثة سجين عراقي قضى تحت التعذيب.

وما هذه المشاهد الا مجرد نماذج مرعبة لمدى شرور الحروب والنزاعات مثل الحرب الكورية وحرب فيتنام ونزاع شمال شمال ايرلندا. واتسم رد الفعل الاميركي تجاه مشاهد تبوّل الجنود الاميركيين على جثث قتلى «طالبان» بالعادي والنمطي، وعكس عدم اكتراث حقيقي من هؤلاء العسكريين بالالتزام بالقيم الجوهرية التي يسعى الجيش الاميركي الى غرسها وتكريسها في نفوس جنوده.

انها قصة وحدة مارقة عن القيم الاميركية أو حكاية تفاحة أو بيضة فاسدة، وإذا كان ما حدث مجرد لعبة، ترى كم من مثل هذه الالعاب حدث من غير تصوير؟ وكذلك السؤاال ذاته ينطبق على الجانب الآخر بالنسبة لاعدامات قامت بها «طالبان» او القاعدة بحق نساء وفتيات شابات افغانيات بتهمة الدعارة وتحدي القيم الاسلامية وإعدام آخرين في العراق بقطع الرأس بعد ادانتهم بجرائم تستحق مثل هذه العقوبة.

فالأميركيون ليسوا نازيين وكذلك البريطانيون ليسوا كالفرنسيين الذين قاموا بأعمال وجرائم اكثر بشاعة في الجزائر في الستينات، فالمسألة نسبية، والكنديون سلموا سجناء الى لصوص وقطاع طرق افغان لاستجوابهم بطريقة وحشية، لكن لا يمكن القول انهم كالشرطة السرية للرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وكذلك فإن «طالبان» ليست كالشرطة السرية للزعيم السوفييتي الحديدي السابق جوزيف ستالين او مثل عناصر الاستخبـارات السوفييتية الـ «كي جي بي »، التي كان يديرها فلاديمير بوتين، قبل ان يصبح رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء، كما انه لا يمكنك بأي حال من الاحوال مقارنة الغزو السوفييتي لأفغانستان 1979 بجيوش جنكيز خان.

وكشفت صحيفة بريطانية الاسبوع الماضي معلومات مذهلة عن عمليات تعذيب بالغة الوحشية تضمنت اساليب ايذاء جسدي في منتهى القسوة تعرض لها سجناء، منها اطفاء اعقاب السجائر في اجسادهم، وكذلك الصعق الكهربائي، مما كان يستوجب ادخالهم المستشفى للعلاج، فهل يمكن ان يصدق أحد ان هذه الأعمال من ممارسات استخبارات صـدام حسين أو الفرنسيين في الجزائر؟

أنا اشك كثيراً وبعمق في كون هذا الأمر مجرد تفاحة فاسدة، نعم لا يمكن انكار وقوع جرائم بشعة ارتكبها الجيش الاميركي والجيش الأحمر السوفييتي بحق جنود المانيا النازية وعناصر استخباراتها خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت حال هيروشيما اليابانية اصعب بكثير من بيرل هاربر الأميركية.

وإذا افترضنا أن الحرب وما يدور فيها ليس حول الانهيار الكامل للروح الانسانية، فلابد أن يلقى رد الفعل الأميركي ازاء تبول الجنود الأميركيين على جثث قتلى مسلحي «طالبان» قدراً كبيراً من الاستغراب ويثير السخرية إلى حد كبير.

فلم يكن قتل هؤلاء المسلحين هو الذي أثار قلق البحرية الأميركية، وإنما التبول عليهم، فلا تثريب عن عمليات القتل ولا حرج فيها اذا تمت في خضم عمل القيم الجوهرية الاميركية، لكن ان تتبول على جثث القتلى، فهذا امر لا يمكن تسويغه او قبوله بأي حال من الأحوال، بل النقطة الاكثر اهمية هي أنه كيف أمكنك أن تفعل ذلك امام الكاميرا، وهذا يعني تلقائياً انه سيكون امراً مقبولاً لو انك قمت به بعيدا عن عيون الكامير؟ ولكن هيهات فقد فات الوقت، وها نحن نخلص الى ان الجيوش مخلوقات مخيفة، وكائنات مرعبة والجنود يقومون بأمور معيبة وأعمال مخزية ومخجلة، لكن اذا ما قبلنا اكذوبة التفاحة او التفاحات الفاسدة ومبدأ الاستثناء من الجريمة في الحرب، فذلك يعني اننا نقبل بالتجاوزات والخروقات. وفي واقع الامر فإننا نقبل استمرار الحرب مع التسليم بمبدأ خيانة الثقة وقبول عدم النزاهة والامانة، ما يعني اننا نجعل عمليات القتل والاغتصاب وغيرها من الانتهاكات الخطـرة اكثر سهولة، ويمكن تبريرها، ما يفتح المجال لتكرارها، وبعد كل هذا ماذا يجب ان يكون رد فعل الجيوش؟ انه كلمة واحدة: مذنب.

 

 

روبرت فيسك  كاتب ومحلل صحافي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والمقال منشور في «الإندبندنت»

الأكثر مشاركة