أعمال العنف ضد المهاجرين تعيد أيرلندا الشمالية إلى «أحلك فصول ماضيها»

تشتعل أيرلندا الشمالية من جديد، بينما يبدو كأنه نسخة معاصرة من «الاضطرابات» التي عرفتها هذه المنطقة التابعة للمملكة المتحدة في الماضي.

وفي أحياء عدة من بلفاست، كافحت الشرطة ورجال الإطفاء، حتى الساعات الأولى من صباح الأربعاء، لاحتواء حشود من المتشددين المعادين للمهاجرين الذين استهدفوا منازل الأقليات العرقية والمطاعم والمتاجر.

وقالت الشرطة إن عشرات المنازل أُحرقت، إلى جانب العديد من سيارات المهاجرين وحافلة واحدة على الأقل، بينما ركزت السلطات على نقل الأشخاص المهددين إلى أماكن آمنة، بدلاً من مواجهة المهاجمين واعتقالهم.

وفي لندن، تعهد رئيس الوزراء، كير ستارمر، بأن المئات من المشاغبين، ومعظمهم من المراهقين وشباب في العشرينات من العمر كانوا يغطون وجوههم، سيجري التعرف إليهم وتوجيه التهم إليهم خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

وقال ستارمر: «من الواضح أن الناس استُهدفوا الليلة الماضية بسبب خلفيتهم، ولن أتسامح مع ذلك، وسيواجه المسؤولون عن ذلك كامل قوة القانون».

وكانت هذه الموجة من التدمير والترهيب متوقعة على نطاق واسع، رداً على الهجوم المزعوم بسكين الذي وقع ليلة الإثنين الماضي، ونفذه طالب لجوء سوداني ضد أحد السكان المحليين في أحد شوارع شمال بلفاست، وهو حدث مروع جرى تصويره وتداوله على نطاق دولي عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي يديرها محرضون من اليمين المتطرف.

ومثل المهاجم المزعوم البالغ 30 عاماً، أمام محكمة في بلفاست، بعدما وُجهت إليه تهمة محاولة قتل ستيفن أوغيلفي، الذي فقد إحدى عينيه في الهجوم.

وفي المقابل، أصدرت عائلة أوغيلفي بياناً ناشدت فيه الجمهور عدم تفريغ غضبهم في المهاجرين الأبرياء.

وقالت العائلة: «لدينا العديد من المهاجرين الذين يقدمون إسهاماً قيماً للغاية لبلدنا، بما في ذلك في نظام الرعاية الصحية وقطاع الضيافة، ونحن نعتمد عليهم في استمرار عمل بلدنا». وأضافت: «لا نريد أن تُستغل هذه المأساة المروعة لتقسيم الناس أو تأجيج العداء».

وتعكس ردود الفعل المتطرفة ما حدث في أجزاء من أيرلندا الشمالية خلال الصيفين الماضيين، ففي أغسطس 2024، اضطرت السلطات إلى استدعاء تعزيزات شرطية من أسكتلندا للتعامل مع أسبوع من العنف ضد المسلمين، وفي يونيو 2025، عندما اتُّهم شابان رومانيان بالاعتداء الجنسي على فتاة مراهقة.

أعمال نهب وسرقة

وفي الحالتين، نظمت الجماعات المعادية للمهاجرين احتجاجات بشكل رئيس عبر «فيس بوك» و«واتس أب»، تحولت إلى هجمات على منازل المهاجرين وأعمالهم التجارية، تخللتها أعمال نهب وسرقة.

ويقول محللون إن المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي التي يروج لها محرضون من الخارج، يمكن أن تلهم وتؤجج بسهولة هذا العنف المنظم محلياً، لكن ذلك لا يحدث لأن خطوط الصراع هنا متجذرة فعلاً بعمق في مدينة تتسم بانقسامات حادة وتقاليد شبه عسكرية، ولاسيما في المناطق البروتستانتية الأكثر فقراً.

وهناك اندلعت معظم أعمال العنف ليلة الثلاثاء، في مناطق لا تزال تخضع لنفوذ إحدى المجموعتين الرئيستين المحظورتين المواليتين لبريطانيا، وهما «جمعية الدفاع عن أولستر» و«قوة المتطوعين في أولستر».

وقد قتلت هاتان الجماعتان في السابق، كاثوليكيين انتقاماً لأعمال العنف التي ارتكبها الجيش الجمهوري الأيرلندي، وهي حقبة مروعة خفَت حضورها مع اتفاقية السلام الموقعة في «الجمعة العظيمة» عام 1998.

لكن منذ ذلك الحين، تحولت «جمعية الدفاع عن أولستر» و«قوة المتطوعين في أولستر»، المتنافستان، إلى منظمتين إجراميتين تعملان بدوام كامل، وتضمان آلاف الأعضاء الذين يتشاركون القيم ذاتها مع المحرضين اليمينيين المتطرفين في إنجلترا وخارجها.

وقد بدأت هذه الجماعات كتنظيمات شعبية ملتزمة بمنع الكاثوليك من الاستقرار في المناطق البروتستانتية، أما اليوم فعندما يقع حدث يعد محفزاً، تصبح أهدافها الرئيسة المهاجرين الآسيويين والأفارقة، الذين رغم ارتفاع معدلات الهجرة في السنوات الأخيرة، لايزالون لا يشكلون سوى نحو 3% من سكان أيرلندا الشمالية التي تظل - بفارق واضح - الأقل استيعاباً للمهاجرين في المملكة المتحدة.

هل يتكرر التاريخ؟

يعود هذا التركيز على الدفاع عن الأراضي البروتستانتية ضد الغرباء إلى الفصل الأول من الصراع في أيرلندا الشمالية، فقد اندلعت تلك «الاضطرابات» في بلفاست في أغسطس 1969، بهجمات شنها الموالون على منازل القوميين الأيرلنديين، ما أدى إلى تهجير آلاف الكاثوليك، وإنشاء مناطق بروتستانتية خالصة، وهي خريطة طائفية لاتزال واضحة المعالم حتى اليوم.

وبالقرب من الأماكن التي طُرد منها الكاثوليك قبل جيلين، تفصل جدران يبلغ ارتفاعها 40 قدماً، تُعرف باسم «خطوط السلام»، بين أحياء الطبقة العاملة، وعلى أحد جانبي هذه التحصينات، تبرز الألوان الأخضر والأبيض والبرتقالي للعلم الأيرلندي، بينما تحمل المناطق البروتستانتية على الجانب الآخر ألوان الأحمر والأبيض والأزرق لعلم الاتحاد.

وفي الحقبة التي أعقبت اتفاق السلام عام 1998، الذي جعل أيرلندا الشمالية مكاناً أكثر جاذبية للعيش، أصبحت العقارات ذات الإيجارات المنخفضة على جانبي تلك الحواجز الأمنية موطناً لأعداد متزايدة من الوافدين الجدد من أوروبا الشرقية وآسيا وإفريقيا.

مناطق التماس

ونظراً إلى تزايد أعداد القوميين الأيرلنديين وتراجع أعداد الجالية البروتستانتية الاتحادية في ما يُعرف بـ«مناطق التماس»، فإن طالبي اللجوء من غير البيض يجدون فرصاً أكبر للحصول على سكن في الجانب البروتستانتي من الحاجز.

أما الهجوم بسكين الذي وقع ليلة الإثنين الماضي، فقد حدث قرب إحدى «مناطق التماس» تلك، لكن في الجانب الكاثوليكي من خط الفصل، حيث يقول المهاجرون غالباً إنهم يشعرون فيه بأمان أكبر نسبياً.

ولا يغيب عن بول دوهرتي، عضو المجلس الذي يمثل غرب بلفاست الكاثوليكي، الشعور بأن التاريخ يعيد نفسه، مع تصادم التوترات القديمة مع التحولات الديموغرافية الجديدة.

وقال دوهرتي، مشيراً إلى المكان الذي شهد إقامة أول «خط سلام»: «نشأت وأنا أسمع قصصاً عن أبناء مجتمعي في غرب بلفاست الذين أُحرقت منازلهم في شارع بومباي خلال الستينات»، وأضاف: «لايزال الناس يعانون صدمة تلك الأيام، نحن نعرف إلى أين يقود هذا الطريق، ولا يمكننا أن نسمح لعصابات متهورة في عام 2026 بتكرار بعض من أحلك فصول ماضينا، هذا ما شعرت به الليلة الماضية».  عن «بوليتيكو»

• المهاجرون الآسيويون والأفارقة لايزالون لا يشكلون سوى 3% من سكان أيرلندا الشمالية التي تظل، بفارق واضح، الأقل استيعاباً للمهاجرين في المملكة المتحدة.

• هذه الموجة من التدمير والترهيب كانت متوقعة على نطاق واسع، رداً على الهجوم المزعوم بسكين، الذي وقع ليلة الإثنين الماضي، ونفذه طالب لجوء سوداني ضد أحد السكان المحليين في أحد شوارع شمال بلفاست.

• نظراً إلى تزايد أعداد القوميين الأيرلنديين، وتراجع أعداد الجالية البروتستانتية الاتحادية، في ما يُعرف بـ«مناطق التماس»، فإن طالبي اللجوء من غير البيض يجدون فرصاً أكبر للحصول على سكن في الجانب البروتستانتي من الحواجز الأمنية.

الأكثر مشاركة