الامتياز التجاري.. «مصنع الأثرياء» ومحرك النمو في أميركا
في الوقت الحاضر يتساءل الكثيرون عن أفضل السبل لتحقيق الثراء في الولايات المتحدة الأميركية، ورغم أن تأسيس شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي يبدو خياراً واعداً وجذاباً، فإن الواقع يشير إلى أن معظم هذه الشركات لا تنجح في الاستمرار أو تحقيق الأرباح المرجوة.
وكان الحصول على شهادة عليا والعمل في مهن مرموقة، مثل المحاماة أو التمويل والاستثمار المؤسسي يُعدّ لفترة طويلة طريقاً شبه مضمونة لتحقيق الثروة، إلا أن هذه المهن أصبحت اليوم تواجه تحديات متزايدة نتيجة التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على أداء العديد من المهام التي كان يقوم بها المتخصصون.
وفي ظل هذه المتغيرات، قد يكون من المفيد الالتفات إلى نموذج اقتصادي مختلف أثبت نجاحه على مدى عقود طويلة، وهو نموذج الامتياز التجاري.
ولعل أبرز مثال على ذلك شركة «ماكدونالدز»، التي يعتقد أنها أسهمت في صناعة عدد من أصحاب الملايين، يفوق ما حققته أي شركة أخرى عبر التاريخ.
ويعود ذلك إلى أن معظم فروعها لا تدار مباشرة من قبل الشركة الأم، بل من خلال أصحاب امتيازات مستقلين يدفعون رسوماً وحقوق استخدام للعلامة التجارية، مقابل الاستفادة من اسمها وخبراتها وأنظمتها التشغيلية، وغالباً ما يحققون أرباحاً كبيرة من هذا النشاط.
قطاعات متنوعة
ولا يقتصر نظام الامتياز التجاري على مطاعم الوجبات السريعة فقط، بل يمتد إلى قطاعات متنوعة تشمل الفنادق ومراكز اللياقة البدنية، وغيرها من الأنشطة التجارية والخدمية، لذلك فإن فرص الاستثمار في هذا النموذج متاحة في مجالات متعددة تناسب مختلف الاهتمامات والميول.
ورغم أن أصحاب الامتيازات التجارية قد لا يحظون بالمكانة الاجتماعية أو الشهرة التي يتمتع بها العاملون في المؤسسات المالية الكبرى، أو الشخصيات البارزة في بورصة «وول ستريت»، فإن هذا النموذج التجاري أثبت قدرته على تحقيق عوائد مالية كبيرة للعديد من الأميركيين.
وتشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة شهدت أخيراً ظهور أول ملياردير كوّن ثروته من خلال الامتيازات التجارية، وهو ما يعكس الإمكانات الاقتصادية الكبيرة لهذا القطاع، كما أن الامتيازات التجارية لا تقتصر فوائدها على الأفراد، بل تسهم أيضاً في تعزيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
انتقادات
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المزيد من الدول قد تستفيد من تبني نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة أكبر على الامتيازات التجارية، في حين ينبغي على الولايات المتحدة أن تحرص على حماية هذا القطاع من الإفراط في فرض القيود والتنظيمات التي قد تحد من فاعليته.
ورغم نجاحه الحالي، لم يكن نظام الامتياز التجاري يحظى دائماً بالتقدير، فقد شهد انتشاراً واسعاً خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، إلا أن العديد من الاقتصاديين آنذاك تعاملوا معه بنوع من السخرية، معتبرين أنه مجرد وسيلة منخفضة الكلفة للتوسع التجاري تعتمد على أموال أصحاب الامتيازات لتمويل افتتاح الفروع الجديدة، بدلاً من تحمل الشركات الأم هذه النفقات.
كما يزعم بعض المنتقدين أن أصحاب الامتيازات لا يمكن اعتبارهم رواد أعمال حقيقيين، بل مجرد مديرين لمحال تجارية يسعون إلى إقناع أنفسهم بأنهم يديرون أعمالاً مستقلة، رغم اعتمادهم الكبير على أنظمة وقواعد تفرضها الشركات المالكة للعلامات التجارية.
نموذج ناجح
ومع ذلك، أثبتت الوقائع الاقتصادية عكس هذه التصورات إلى حد كبير، فقد أصبح قطاع الامتيازات التجارية يمثّل جزءاً متزايد الأهمية من الاقتصاد الأميركي، ويوجد اليوم ما يقارب 850 ألف فرع امتياز تجاري في الولايات المتحدة، يديرها نحو ربع مليون صاحب عمل.
كما أن واحدة من كل ثماني شركات أميركية تضم موظفاً واحداً على الأقل يعمل ضمن نظام الامتياز التجاري، وهي نسبة تقارب ضعف ما هو موجود في دول متقدمة أخرى مثل اليابان وألمانيا.
ويعود نجاح هذا النموذج إلى اعتماده على مبادئ اقتصادية راسخة، تتعلق بتوزيع الحوافز وتقسيم المهام بصورة فعالة.
ويبرز دور الامتياز التجاري بشكل خاص في الأنشطة التي تتطلب إدارة أعداد كبيرة من الموظفين المنتشرين في مناطق جغرافية مختلفة، حيث تصبح عملية الإشراف المباشر معقدة ومكلفة، كما تزداد أهمية هذا النموذج عندما يكون فهم خصوصيات الأسواق المحلية عاملاً أساسياً في نجاح النشاط التجاري.
وفي مثل هذه الحالات، يكون من المنطقي توزيع المسؤوليات بين طرفين، حيث يركز مانح الامتياز على تطوير العلامة التجارية والمنتجات ووضع المعايير التشغيلية، بينما يتولى صاحب الامتياز إدارة النشاط اليومي والتكيف مع احتياجات السوق المحلية وظروفها الخاصة.
دروس
ويحمل نجاح الامتيازات التجارية في الولايات المتحدة دروساً يمكن أن تستفيد منها دول أخرى، فمن ناحية، استفاد هذا القطاع من قوة الاقتصاد الأميركي وتوافر مصادر التمويل، حيث تسهم قوانين حماية الملكية الفكرية في صون العلامات التجارية، بينما تتيح الأسواق المالية المتطورة لأصحاب الامتيازات الحصول على التمويل اللازم لتأسيس مشروعاتهم وتوسيعها.
من ناحية أخرى، لعبت البيئة التنظيمية المتوازنة دوراً مهماً في دعم هذا النموذج، حيث تتوافر معلومات واسعة ومفصلة حول أداء الامتيازات التجارية، بفضل القوانين التي تلزم الشركات المالكة للامتيازات بالإفصاح عن أساليب تحقيق الأرباح، وتقديم تقديرات واضحة لتكاليف التأسيس والرسوم المستمرة، إضافة إلى الكشف عن أي نزاعات أو مشكلات قانونية قد تواجهها.
كما تقدّم العديد من الشركات بيانات تفصيلية حول الأداء المالي لأصحاب الامتيازات الحاليين، ما يساعد المستثمرين المحتملين على اتخاذ قرارات أكثر وعياً.
جدل واسع
لكن بعض المحاولات الحديثة لتنظيم هذا القطاع في أميركا، أثارت جدلاً واسعاً، حيث يرى بعض المنتقدين أن الامتيازات التجارية تستفيد من الثغرات الموجودة في قوانين العمل، وتحدّ من قدرة العاملين على تنظيم أنفسهم في نقابات عمالية، كما يطالب هؤلاء باعتبار الشركات المالكة للامتيازات أصحاب عمل مشتركين مع أصحاب الامتيازات في ما يتعلق بالعاملين لديهم.
وفي حال تبني هذا التوجه، فإن الشركات المالكة للعلامات التجارية ستواجه مخاطر قانونية كبيرة، فقد تتحمل مسؤوليات تتعلق بممارسات أصحاب الامتيازات، مثل الأخطاء في احتساب أجور العمل الإضافي، أو غيرها من المخالفات العمالية، رغم أن أصحاب الامتيازات هم من يقومون فعلياً بتوظيف العاملين وإدارة شؤونهم اليومية.
ومن شأن فرض مثل هذه المسؤوليات أن يزيد المخاطر المرتبطة بنظام الامتياز التجاري، كما قد يؤدي إلى مزيد من المركزية في الإدارة، وهو ما من شأنه إضعاف العديد من المزايا التي جعلت هذا النموذج ناجحاً ومؤثراً. عن «الإيكونوميست»
• 850 ألف فرع امتياز تجاري في الولايات المتحدة، يديرها نحو ربع مليون صاحب عمل.
• منتقدون يرون أن الامتيازات التجارية تستفيد من الثغرات الموجودة في قوانين العمل.