السويد.. الشريك الأوروبي لأميركا في سباق التكنولوجيا العالمي
شهد الأسبوع الماضي توقيع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، ونظيرته السويدية، ماريا مالمر ستينرغارد، اتفاقية «الازدهار التكنولوجي» بمدينة هلسينغبورغ الساحلية في السويد.
وتمثل هذه الاتفاقية الثنائية للتفاهم إطاراً واسعاً للتعاون بين البلدين في عدد من المجالات الاستراتيجية المتقدمة، تشمل الذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات من الجيلين الخامس والسادس، وتقنيات الحوسبة الكمية، إضافة إلى الطب الحيوي، وقطاع الفضاء، والابتكار الدفاعي، فضلاً عن الطاقة.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة لكونها خامس اتفاقية من نوعها توقّعها الولايات المتحدة على مستوى العالم، والأولى والوحيدة التي تجمعها بدولة أوروبية.
ورغم أهمية هذا الحدث، فإنه لم يحظ بالاهتمام الإعلامي الذي يستحقه، حيث جرى توقيعه على هامش اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في وقت كانت فيه الأزمات الجيوسياسية والترتيبات التنظيمية للحلف تستحوذ على معظم الاهتمام، إلا أن هذا التطور يستحق قراءة متأنية، خصوصاً من قبل المهتمين بمستقبل القوة التكنولوجية الأميركية، وموقعها في المنافسة العالمية خلال العقود المقبلة.
إعادة تموضع
ومن خلال متابعة تطور العلاقات الأميركية السويدية خلال الفترة الأخيرة، يتضح أن ما جرى لا يقتصر على إجراءات دبلوماسية تقليدية، أو اتفاقيات بروتوكولية، بل يعكس عملية إعادة تموضع استراتيجي هادئة، لكنها عميقة الأثر، تسير بوتيرة أسرع وأكثر حسماً من كثير من التحولات التي تشهدها العلاقات الأميركية الأوروبية في الوقت الراهن، والتي تتسم في العديد من جوانبها بالتوتر وعدم الاستقرار.
وعند استعراض مسار العلاقات بين البلدين خلال العام الماضي، تتضح صورة متكاملة لهذا التحول، ففي مارس 2024 انضمت السويد رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي، منهية بذلك سياسة عدم الانحياز التي استمرت نحو قرنين، كما وقّعت مع الولايات المتحدة اتفاقية تعاون دفاعي ثنائية، وافتتحت قنصليتين عامتين جديدتين في هيوستن وسان فرانسيسكو، مستهدفة بذلك أهم مركزين أميركيين في مجالات الطاقة والتكنولوجيا وعلوم الحياة.
وفي مارس من العام الجاري، أصبحت السويد أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تنضم إلى إعلان «باكس سيليكا»، المبادرة الأميركية الرامية إلى تأمين سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، ثم جاءت اتفاقية «الازدهار التكنولوجي» لتشكل حلقة جديدة في سلسلة من الخطوات المتسارعة التي تعكس عمق التقارب بين البلدين.
تأثير اقتصادي
وبذلك تكون واشنطن واستوكهولم قد أبرمتا خلال فترة تقارب العام، خمسة التزامات ثنائية ملموسة ومحددة، ليست مجرد بيانات سياسية أو نتائج قمم دبلوماسية، وإنما اتفاقيات رسمية موقعة تحمل مضامين تنفيذية واضحة.
ومن هنا يبرز التساؤل: لماذا تحظى السويد بهذا القدر من الاهتمام الأميركي؟ وما الذي يجعل هذا التقارب مهماً لمصالح الولايات المتحدة؟.
رغم أن السويد دولة لا يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة، ويعادل حجم اقتصادها اقتصاد ولاية أميركية متوسطة، فإن تأثيرها الاقتصادي داخل الولايات المتحدة يفوق حجمها الديموغرافي والاقتصادي بكثير، فالشركات السويدية توفر أكثر من 280 ألف فرصة عمل داخل الولايات المتحدة، بينما بلغ حجم الاستثمارات السويدية المباشرة في السوق الأميركية نحو 119 مليار دولار خلال عام 2024، لتصبح السويد واحدة من أسرع مصادر الاستثمار الأجنبي نمواً في الاقتصاد الأميركي.
وتتجسد هذه العلاقة الاقتصادية في مشروعات صناعية وتقنية ملموسة، فشركة «إريكسون» السويدية تنتج معدات شبكات الجيل الخامس في ولاية تكساس، بينما تدير شركة «أسترازينيكا» عمليات دوائية واسعة النطاق على امتداد الساحل الشرقي للولايات المتحدة، في حين تصنع شركة «فولفو» شاحناتها في ولاية فرجينيا، وبالتالي فإن الحديث هنا لا يتعلق بشعارات سياسية أو تصريحات دبلوماسية، بل باستثمارات حقيقية، ومصانع ومراكز أبحاث، وفرص عمل تؤثر مباشرة في الاقتصاد الأميركي.
ساحات تنافس
غير أن أهمية الشراكة الجديدة لا تقتصر على ما تحقق بالفعل، وإنما تمتد إلى ما تستهدفه الاتفاقيات الموقعة مستقبلاً، فقد حددت اتفاقية «الازدهار التكنولوجي» مجالات تعاون دقيقة تشمل إجراء بحوث مشتركة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالتصنيع المتقدم، وتطوير المعايير التقنية الخاصة بشبكات الجيلين الخامس والسادس، والتعاون في إنشاء «كابلات» اتصالات بحرية تمر عبر القطب الشمالي لربط أميركا الشمالية بشمال أوروبا، إضافة إلى التنسيق المشترك في قضايا حوكمة الاتصالات الدولية، قبل انعقاد المؤتمر العالمي للاتصالات الراديوية عام 2027.
ولا تمثل هذه المجالات مجرد أهداف عامة أو طموحات نظرية، بل تشكل ساحات التنافس الأساسية التي تخوض فيها الولايات المتحدة منافسة استراتيجية طويلة الأمد مع الصين، من أجل الريادة التكنولوجية العالمية.
وتتمتع السويد بمكانة مميزة في هذه المعادلة، حيث إن شركة «إريكسون»، إلى جانب شركة «نوكيا»، تعد واحدة من شركتين غربيتين فقط تمتلكان القدرة على توفير بنية تحتية متكاملة لشبكات الجيل الخامس، بعيداً عن المكونات الصينية.
كما تحتل المؤسسات الأكاديمية السويدية، وعلى رأسها جامعة «تشالمرز» والمعهد الملكي للتكنولوجيا، مواقع متقدمة عالمياً في مجالات الحوسبة الكمية وعلوم المواد المتقدمة.
وقد جاءت الاستراتيجية الوطنية السويدية للذكاء الاصطناعي التي أُقرت في فبراير الماضي، لتعكس رؤية شاملة تغطي مختلف حلقات سلسلة القيمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بدءاً من المعادن الحيوية اللازمة للصناعة التقنية، وصولاً إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية، وهو توجه يتوافق بصورة واضحة مع أهداف مبادرة «باكس سيليكا» الأميركية.
آفاق واسعة
ومن الناحية الاقتصادية، تفتح هذه الاتفاقيات آفاقاً واسعة أمام الشركات الأميركية العاملة في قطاعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات الدفاعية، والطب الحيوي، والحوسبة الكمية، إذ تمنحها فرصاً أكبر للوصول إلى شراكات واستثمارات مشتركة مع المؤسسات السويدية.
وفي المقابل، تمنح هذه الاتفاقيات، الشركات السويدية مستوى أعلى من الثقة والقدرة على الوصول إلى برامج المشتريات والبحوث الفيدرالية الأميركية، وهو ما كان أكثر صعوبة في السابق.
كما أن وزارة الخارجية الأميركية بدأت بالفعل اختبار خدمة استشارية جديدة تهدف إلى تسهيل وصول الدول الشريكة إلى تقنيات ومنتجات الذكاء الاصطناعي الأميركية، وأصبحت السويد من أوائل الدول المؤهلة للاستفادة من هذه المبادرة، في حين لاتزال معظم الدول الأوروبية خارج هذا الإطار.
لحظة تاريخية
وتكشف هذه التطورات عن درس أوسع في السياسة الخارجية الأميركية، يتم تجاهله أحياناً وسط الجدل الدائر حول الرسوم الجمركية وتقاسم الأعباء الدفاعية، فالتجارب أثبتت أن أكثر التحالفات استدامة وفاعلية ليست تلك التي تبنى على الالتزامات السياسية وحدها، بل تلك التي تستند إلى مصالح اقتصادية مشتركة، تتوافق مع متطلبات الأمن والاستقرار.
ولا تتجه السويد نحو الولايات المتحدة بدافع الإكراه أو الضرورة، وإنما نتيجة قناعة متزايدة لدى مؤسساتها الاقتصادية والأكاديمية والحكومية بأن عصر الذكاء الاصطناعي يمثّل لحظة تاريخية لإعادة تحديد المواقع الاستراتيجية، وأن الولايات المتحدة توفر البيئة الأكثر قدرة على تحويل هذه الطموحات إلى واقع ملموس.
فرصة استراتيجية
ينبغي للولايات المتحدة أن تنظر إلى الشراكة مع السويد باعتبارها فرصة استراتيجية تستحق الدعم والتطوير، فاتفاقية «الازدهار التكنولوجي» ليست هدفاً نهائياً بحد ذاتها، بل إطار عمل يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون، أما الاختبار الحقيقي فيتمثّل في ما سينشأ عنها من مشروعات بحثية مشتركة، وتدفقات استثمارية جديدة، وتنسيق للمعايير التقنية، وبرامج إنتاج دفاعي متكاملة.
لقد تم بالفعل وضع الأساس لهذه المرحلة الجديدة من التعاون الأميركي السويدي، ويبقى السؤال المطروح: هل ستمنح واشنطن هذه الشراكة القدر الكافي من الاهتمام والموارد، للبناء عليها وتحويلها إلى نموذج ناجح للتحالفات التكنولوجية المستقبلية؟ وحتى الآن لا يبدو أن الإجابة حاسمة، غير أن ما تحقق خلال الأسبوع الماضي يمثّل، بلاشك، خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
• الولايات المتحدة والسويد وقّعتا اتفاقية «الازدهار التكنولوجي» لتعزيز التعاون في التقنيات المتقدمة، لاسيما الذكاء الاصطناعي.
أندريه بيرسون* عن «ذا هيل»
عضو مجلس إدارة غرفة التجارة السويدية الأميركية المقيم في دالاس.