الأمم المتحدة تسعى إلى إيجاد «صانع سلام» للصراعات المتزايدة
في العقود الأخيرة من القرن الـ20، كانت الأمم المتحدة هي الحَكم في شؤون القانون الدولي، وكان أمينها العام بمنزلة صانع سلام كامل الصلاحيات تقريباً، واليوم تقع مهام التفاوض لحل الحروب والصراعات على عاتق رجال الأعمال المقربين من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أو على عاتق دول تُعدّ طرفاً ثالثاً، في الأغلب تكون قوى ناشئة، واستولت على الدور التاريخي للمنظمة كوسيط.
ومع اقتراب انتخاب أمينها العام الـ10، الذي سيتولى المنصب لخمس سنوات، تبدأ في أول يناير 2027، يكتسب البُعد الخاص بصنع السلام في الأمم المتحدة أهمية خاصة بعد شلل دور المنظمة الدولية في مختلف النزاعات الأخيرة حول العالم.
وقال المؤرخ، ثانت مينت يو، وهو مسؤول سابق في الأمم المتحدة ووسيط بعملية السلام في ميانمار، متسائلاً على وسائل التواصل الاجتماعي: «أين الأمين العام للأمم المتحدة في الحرب الحالية (حرب إيران)؟»، موضحاً أن «الوسيط المحايد، المُعيّن من قبل العالم بأسره، والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع جميع القوى الكبرى، هو بالضبط ما نحتاج إليه لإيجاد مسارات تحفظ ماء الوجه، وتؤدي إلى تهدئة التوتر لجميع الأطراف».
وأضاف: «هذا ما فعله الأمناء العامون للأمم المتحدة، في الأغلب بنجاح ملحوظ، على مدى عقود، لاسيما بين عامَي 1955 و1990».
صياغة مَخرج
كان جد المؤرخ الدبلوماسي البورمي، أو ثانت، أحد هؤلاء صانعي السلام، فقد شغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة بين عامَي 1961 و1971، وساعد في حل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، من خلال خطة سلام وافق عليها كلٌّ من الرئيس الأميركي جون كينيدي، والرئيس الروسي (السوفييتي حينها) نيكيتا خروتشوف.
وأشار المؤرخ ثانت مينت يو إلى أن باكستان تقوم حالياً بدور الأمين العام للأمم المتحدة في ما يتعلق بحرب إيران، قائلاً: «لكن بين الحين والآخر، بما في ذلك في حالات التصعيد النووي المحتمل، قد يكون شخص يُدعى الأمين العام للأمم المتحدة لا غنى عنه في صياغة مخرج».
وكتب المُؤرخ، في الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات بشأن عدم أهمية المنظمة الواضحة، فإن «كل ما فعلته الأمم المتحدة غير ذلك يجب أن يكون مسرحية تضمن الحفاظ على هيبة هذا الممثل، عندما يكون العالم في أمسّ الحاجة إليه».
وأضاف أن «شلل مجلس الأمن وإخفاقات الأمم المتحدة المتزايدة، يرقى الآن إلى ما يبدو لحد كبير مشكلة تتعلق بالسمعة، بل حتى الشرعية. وقد ترسخ شلل المنظمة، أو عدم فاعليتها الصريحة بالنسبة للبعض، بشكل أعمق في الشرق الأوسط، حيث تتجاهل إسرائيل مراراً قرارات مجلس الأمن».
حفظ السلام
وكان قد تم أخيراً استجواب المرشحين الأربعة لمنصب الأمين العام، وهم: رئيسة تشيلي السابقة، ميشيل باشيليه، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة، ريبيكا غرينسبان، والدبلوماسي الأرجنتيني، رافائيل غروسي، الذي يشغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والرئيس السنغالي السابق، ماكي سال، أمام أعضاء الجمعية العامة البالغ عددهم 193 عضواً وممثلي المجتمع المدني، حول ما يمكن أن يقدمه الأمين العام الجديد للأمم المتحدة.
وكان أحد الأقسام الثمانية لجدول الأعمال خلال المساءلة، هو بالضبط «حفظ السلام وبناؤه»، لأنه من الصعب الحفاظ على الغرض الأساسي للمنظمة الدولية من دون الوفاء بهذه الوظيفة.
وقال مدير برنامج الشؤون العالمية والمؤسسات في مجموعة الأزمات الدولية، ريتشارد جوان، لصحيفة «إل باييس»: «لقد فقدت الأمم المتحدة قدراً كبيراً من مصداقيتها كمؤسسة سلام في وقت تتزايد فيه الحروب ويواجه مجلس الأمن بانتظام مأزقاً بشأن كيفية التعامل مع النزاعات الكبرى». وأضاف: «لا يستطيع الأمين العام تحقيق السلام العالمي بمفرده، إلا أن أميناً عاماً ذكياً يمكنه أن يؤدي دوراً أكثر أهمية في الدبلوماسية غير الرسمية مع بكين وموسكو وواشنطن بشأن كيفية إدارة النزاعات المستقبلية». وتابع جوان: «بدا الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في كثير من الأحيان متشائماً إلى حد ما بشأن عجزه عن أداء دور مهم في إدارة الحروب الكبرى، ويرغب الدبلوماسيون في أن يتحمل خليفته المزيد من المخاطر».
التمويل
لن تكتمل قدرة الأمم المتحدة ما لم تسدد أكبر مساهمة فيها، الولايات المتحدة، ديونها التي تزيد على 1.5 مليار دولار، لضمان الأداء السليم للمنظمة وبعثات حفظ السلام المكلفة.
وقال الأستاذ الفخري في دراسات السلام بجامعة نوتردام في إنديانا، جورج لوبيز: «مع التمويل في الوقت المناسب، يجب على الأمين العام الجديد أن يؤكد الدور التقليدي للمنظمة في العمل من أجل السلام والأمن، وقد يكون شرق الكونغو هدفا أولاً جيداً، أما الهدف الآخر فهو العمل من أجل سورية سلمية»، مضيفاً: «في كل حالة، سيكون من المفيد أن يكون هناك أمين عام يعمل، في ظل القيود المالية والرؤية البراغماتية، مع البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى لضخ موارد مالية وخبرات حقيقية يمكن أن تحفز خيار السلام كخيار ذكي».
وأوضح لوبيز أنه «على الرغم من حرص بعض أعضاء مجلس الأمن على تقييد حرية حركة الأمين العام، فإن هذا القائد يجب أن يكون صوتاً أخلاقياً يدافع عن قِيَم ميثاق المنظمة، وعن السلام في مواجهة العنف غير المسبوق، كما يجب أن يكون مدافعاً عن القانون الدولي، لاسيما القانون الإنساني الدولي، حتى في الوقت الذي قد تتجاهل فيه الدول التي كانت تحترم تلك التقاليد هذه المبادئ الآن». عن «إل باييس»
دور مهم
يُعزّز ترشيح نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، ريبيكا غرينسبان، لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الدور المهم الذي أدته كمفاوضة في اتفاقية التجارة في البحر الأسود لعام 2022، التي سمحت بالإفراج عن الحبوب التي كانت محجوبة في الموانئ الأوكرانية بسبب الحرب الروسية.
وفي ذلك الوقت، كانت غرينسبان تشغل منصب الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وهي منظمة استقالت منها مؤقتاً للتركيز على ترشيحها.
• قدرة الأمم المتحدة لن تكتمل ما لم تسدد أكبر مساهِمة فيها (أميركا)، ديونها التي تزيد على 1.5 مليار دولار.
ريتشارد جوان:
• الأمم المتحدة فقدت قدراً كبيراً من مصداقيتها كمؤسسة سلام في وقت تتزايد الحروب.