توقعات فوز الديمقراطيين في انتخابات نوفمبر لن تلغي فكرة وجود تغيير قادم. من المصدر

«إلى الأمام».. حزب يقدم للأميركيين خياراً ثالثاً بين الجمهوريين والديمقراطيين

في إشارة تبدو قوية إلى معاناة السياسة الأميركية من خلل كبير، يوشك حزب سياسي، يحظى بنسبة تأييد تبلغ 28%، على تغيير ميزان السيطرة على مجلس النواب، في نوفمبر المقبل، وفي الواقع فإن هذه النتيجة ليست ناجمة عن دعم «الديمقراطيين»، بل عن تزايد السخط الشعبي على الرئيس الجمهوري دونالد ترامب.

سيجري حسم انتخابات التجديد النصفي، العام الجاري، باختيار الناخبين ما يرونه «أهون الشرّين»، وليس بتصويت حماسي لحزب سياسي معين، إذ شعر العديد من الأميركيين بالضجر من كلا الحزبين السياسيين: الديمقراطي والجمهوري، لكن هذا الضجر لن يكون كافياً للتغلب على زخم الوضع الراهن القائم على الحزبين اللذين يحتكران السلطة بينهما دون منافس آخر يمكن أن يسبب أي إزعاج.

الثقة بالمستقبل

لن يكون هذا العام هو اللحظة التي يعيد فيها المرشحون المستقلون ومرشحو الأحزاب الأخرى تشكيل السياسة الأميركية، لكنه سيكون عام وضع الأساس لشيء جديد قد يتشكل قريباً، إذ إن النظام الحالي لديه زخم قوي، لكنه لا يستطيع احتواء سخط الناخبين إلى الأبد، خصوصاً بعد مرور الشعب الأميركي في الظروف الأخيرة من حروب ومشكلات اقتصادية أثرت سلباً في معيشته.

يفقد الأميركيون ثقتهم بالمستقبل بصورة تدريجية، بداية من فشل المدارس الحكومية، والنظام التعليمي الذي يحظى به التلاميذ الأميركيون، وصولاً إلى التحدي الذي يواجهه العمال في محاولتهم البقاء ضمن الطبقة المتوسطة، وبالنظر إلى أن الناخبين يميلون عادة إلى إلقاء اللوم على الحزب الذي يسيطر على منصب الرئاسة، بسبب كل ما يعانونه من إحباطات، فسيكون من الأسهل التنبؤ نسبياً بنتائج انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر المقبل.

من المعروف أنه في النظام السياسي الثنائي الأحزاب بالولايات المتحدة، يخسر الحزب الفائز بالرئاسة في أغلب الأحيان مقاعد في الكونغرس، ولو كان هذا النظام القابل للتنبؤ يعمل بكفاءة جيدة، لكان من الممكن أن يستمر لفترة أطول، ولكن الأمر ليس كذلك، ولذلك فإن الأميركيين ساخطون على الوضع الحالي.

إخفاقات نظام الحزبين

بدأ الناخبون يدركون إخفاقات نظام الحزبين الحديث، وخلال أسوأ فترة انقسام سياسي بين الحزبين منذ الحرب الأهلية، تبادل الجمهوريون والديمقراطيون السلطة والشتائم والاتهامات، وكلاهما يتحمل مسؤولية الوضع الراهن لبلادنا، مهما كانت هذه الاتهامات التي يوجهونها لبعضهما بعضاً.

قد تكون أساليب رئيس مجلس النواب السابق، نيوت غينغريتش، وهو جمهوري من جورجيا، قد مهدت الطريق للخلل السياسي الذي نشهده اليوم، لكن الديمقراطيين لحقوا بالجمهوريين في سباق تأجيج الانقسام السياسي.

ولا يقل الحزب الديمقراطي استعداداً لتعطيل عمل الحكومة، واستخدام لغة دونية، ومضايقة خصومه بتعليقات «صبيانية» على الإنترنت، وخلال سعيهم لمواجهة الشر بالشر، عمد الديمقراطيون إلى إحراق المعايير التي ميزتهم منذ مئات السنين، والتي جعلت كثيرين ينجذبون إلى هذا الحزب.

ومن المرجح أن يفوز المرشحون الديمقراطيون في انتخابات نوفمبر 2026، لأن الناخبين المترددين غير راضين عن الرئيس، دونالد ترامب، ولا يثقون بالجمهوريين في كبح جماح أسوأ نزعاته ومعارضة أفكاره السيئة.

ولو أظهر الجمهوريون المنتخبون استقلاليتهم، لكان من الأسهل على مرشحي الحزب التغلب على عدم شعبية الرئيس، وبدلاً من ذلك يدرك الأميركيون أن معظم الجمهوريين في الكونغرس سيتبعون الرئيس، ولو بتردد، وقد يجعل هذا التصويت المرشح الجمهوري في الكونغرس، بمثابة تصويت لمسايرة نزعات وسياسات «رئيس لا يحظى بالشعبية».

وحتى لو كان ذلك يعني خسارة السلطة دورياً، فإن المسؤولين الديمقراطيين والجمهوريين راضون عن نظام يحد من تنافسهم من قبل حزب واحد يتعادلون معه من حيث قلة الشعبية، ويركز كلاهما بشدة على هزيمة الآخر لدرجة أنهما أغفلا عن أسباب هذا الصراع المرير بينهما، وأغفلا أي سلبيات قد تنجم عنه.

صراع الحزبين

يركز السياسيون على سرد عيوب خصومهم، بدلاً من بناء تحالفات للحكم بفعالية، وتحسين أداء الحكومة وتحسين حياة الأميركيين الذي يشعرون بأنهم تائهون وسط هذا الصراع بين الحزبين.

وفي الحقيقة، فإن نتائج هذا الصراع ماثلة للعيان، ولا يمكن أن تغيب عن أي شخص، ولقد باتت الولايات المتحدة مدينة بـ39 تريليون دولار، وهو ما ينطوي على سلبيات جمة، كما لم تقم بإنعاش المدن الصناعية الأميركية المتدهورة، والتي هي بأمسّ الحاجة للدعم المالي.

كما تقترب الثقة بالحكومة من أدنى مستوياتها، ويتوقف أفراد الأسرة عن التحدث مع بعضهم بعضاً حول السياسة، لشعورهم بعدم الجدوى من كل ذلك، كما أن الثقافة التي يروج لها الديمقراطيون والجمهوريون لا تلبي احتياجات البلاد والشعب، وتبدو غير متوافقة بشكل متزايد مع الرخاء الشامل للشعب الأميركي.

التغيير قادم

ولحسن طالع الأميركيين، يبدو أن التغيير قادم، ففي العام الماضي فاز مرشح من حزب «إلى الأمام» بمنصب رئيس بلدية مدينة «جورج تاون» بولاية كارولاينا الجنوبية، ما يُعد مؤشراً بارزاً على إعادة تنظيم المشهد السياسي المرتقب، وكان فوزه هو الأول من نوعه في كارولاينا الجنوبية لمرشح من حزب ثالث في انتخابات حزبية منذ عام 1894.

يعد نحو 45% من الأميركيين مستقلين سياسياً وفق ما يعرفون أنفسهم، مقارنةً بـ27% يعرفون أنفسهم «ديمقراطيين»، و27% يعرّفون أنفسهم «جمهوريين»، ويتخلى الناس عن الانتماءات الحزبية، ولكنهم في معظم الانتخابات لايزالون مجبرين على الاختيار بين مرشح ديمقراطي وآخر جمهوري، على الرغم من عدم اقتناعهم بالطرفين، وهذا ما يجعل الأحزاب غير الشعبية تفوز بالسلطة.

أحزاب بديلة

ينظم حزب «إلى الأمام» صفوفه في جميع أنحاء البلاد، ويمثل برنامجه الانتخابي نموذجاً للسلوك السياسي البناء الذي ينوي تقديم شيء مختلف، وهو يختلف تماماً عما اعتدنا رؤيته من الديمقراطيين والجمهوريين الذين اعتادوا على تقلد السلطة.

والحزب «وسطي»، وهو بديل آخر في مراحله الأولى من التنظيم، وتقدم مبادئه التوجيهية الثمانية إطاراً يجذب شريحة واسعة من الأميركيين، ويعد التزامه الانضباط المالي وحماية البيئة مثالاً جيداً على قدرته على تغيير الانقسامات السياسية التقليدية، التي باتت معروفة تماماً بالنسبة للأميركيين. ومن الغرور المفرط بالنسبة للديمقراطيين والجمهوريين الاعتقاد بأنه يمكنهم الحفاظ على احتكارهم السلطة رغم انخفاض شعبيتهم وتزايد سخط الأميركيين على أدائهم في السلطة.

من شبه المؤكد أن يفوز الديمقراطيون بمجلس النواب في نوفمبر المقبل، لكن هذا التحول لن يغير شيئاً سوى تكرار نمط فشل في تلبية متطلبات هذه اللحظة العصيبة، وقد تحدث انتخابات نوفمبر تغييراً، لكنّ التحول الأكبر بكثير قادم لا محال.   عن «ذا هيل»

كولين باسكال* *مقدّم متقاعد من الجيش الأميركي وباحث في معهد أوريون للسياسة

الأكثر مشاركة