زيارة وزير الخارجية الصيني إلى كوريا الشمالية جزء من سياسة بكين لتعزيز نفوذها. أ.ف.ب

الصين تسعى إلى تشكيل بيئة إقليمية مواتية قبل قمة ترامب وشي

اختتم وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، زيارة استمرت يومين إلى كوريا الشمالية، وهي أول زيارة له إلى بيونغ يانغ منذ أكثر من ست سنوات، حيث شدّد على تعزيز التبادلات رفيعة المستوى، وتوسيع نطاق التعاون العملي.

ومع استعداد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للوصول إلى بكين، في منتصف مايو المقبل، لحضور قمة ذات أهمية كبيرة، مع نظيره الصيني شي جين بينغ، تؤكد هذه الزيارة الموقف الدبلوماسي الموازي للصين.

وتُعدّ رحلة وانغ إلى كوريا الشمالية مجرد جزء من مجموعة أوسع من المبادرات التي تقوم بها بكين، من أجل تشكيل بيئة إقليمية مواتية قبل القمة، والاستفادة من تركيز واشنطن على الحرب في الشرق الأوسط.

وتعمل الصين في الوقت نفسه، على تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، وتحقيق الاستقرار وإدارة العلاقات الاقتصادية بشكل انتقائي، ووضع نفسها في موقع الوسيط الدبلوماسي المحتمل.

وقد لا تكون كل خطوة دبلوماسية مخططة مسبقاً، لكن التأثير التراكمي هو موقف متماسك بشكل متزايد يسعى إلى تعظيم نفوذ الصين قبل القمة، مع الحفاظ على المرونة.

فرصة استراتيجية

لقد أوجدت حرب إيران فرصة استراتيجية من خلال تحويل انتباه الولايات المتحدة ومواردها بعيداً عن آسيا.

وبدلاً من التصرف بعدوانية، فضّلت الصين عموماً اتباع نهج صبور يمنح الأولوية لبناء النفوذ، وإبقاء الخيارات مفتوحة على حساب المكاسب الفورية.

ويعكس هذا نمطاً سائداً في عهد الرئيس الصيني، حيث غالباً ما تحظى المزايا الهيكلية والمواقف الاستراتيجية طويلة الأمد، بالأولوية على المواجهات التي تتصدّر عناوين الأخبار.

وقد عزّز تأجيل قمة ترامب وشي، من أواخر مارس إلى منتصف مايو بسبب الحرب، هذا النمط، فقد اكتسبت بكين وقتاً إضافياً لتشكيل جدول الأعمال، واستكشاف نقاط النفوذ في مجالات الرقابة على التكنولوجيا، والقيود على الاستثمار، والرسوم الجمركية، وتايوان.

ومع تعامل واشنطن مع أزمات متعددة، تبدو الصين أقل تحدياً وأكثر استقراراً، ما يخلق تبايناً من المرجح أن يؤثر في توقعات الولايات المتحدة وآلية التفاوض.

سوابق تاريخية

وقدّمت زيارة وانغ يي إلى بيونغ يانغ أحد العناصر الأكثر وضوحاً من الناحية الاستراتيجية لموقف الصين قبل القمة.

وتعدّ السوابق التاريخية مفيدة في هذا الصدد، فقد سافر الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى بكين في عام 2018 لتوطيد العلاقات، وربما تنسيق المواقف قبل اجتماعه الأول مع ترامب في سنغافورة.

وعلى الرغم من أنه من المستحيل معرفة المدى الكامل لحسابات الصين، يبدو أن بكين عازمة على الحفاظ على دورها المركزي في أي دبلوماسية متجددة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

وهناك سياق أوسع وراء زيارة وانغ أيضاً، فخلال جائحة «كورونا»، ووسط توثيق العلاقات بين كوريا الشمالية وموسكو، تضاءل نفوذ بكين في بيونغ يانغ.

وقد عكس استئناف الروابط الجوية والسكك الحديدية في أوائل عام 2026، جهداً ملحوظاً لمنع تطور الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية دون مشاركة صينية، وتسمح هذه الخطوات التدريجية لبكين بفرض نفوذها، مع تجنّب الضغط الصريح الذي قد يثير مقاومة كوريا الشمالية.

وسيط

وتشير التجارب الصاروخية لبيونغ يانغ وغيرها من تجارب الأسلحة التي أجريت أخيراً، قبل زيارة وانغ مباشرة، إلى جهود كوريا الشمالية لتأكيد استقلاليتها وتشكيل التفاعل وفق شروطها.

وقد وضع بيان رئيس كوريا الشمالية، في فبراير، الذي جاء فيه أنه «لا يوجد سبب» يمنع كوريا الشمالية والولايات المتحدة من «التعايش بشكل جيد»، شريطة أن تتخلى واشنطن عن سياستها «العدائية»، العبء على عاتق الولايات المتحدة مع ترك مجال للمناورة.

وبالنسبة لبكين، يوفر هذا الغموض فرصة للعب دور الوسيط، لكنه لا يضمن هذا الدور.

تعزيز النفوذ

وتعمل الصين تدريجياً على تعزيز نفوذها، فحتى الاتفاقات المحدودة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة قد تُقلّل حدة التوترات بطريقة تعود بالفائدة على بكين، لاسيما إذا احتفظت بدور داعم.

ومع مرور الوقت، قد تتكامل الخطوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية المتتالية لتشكل موقفاً أكثر تماسكاً تجاه شبه الجزيرة الكورية، وإن كان ذلك يتوقف على خيارات بيونغ يانغ واستجابة واشنطن.

ويعكس نهج الصين تجاه الصراع في الشرق الأوسط منطقاً مماثلاً، ومن خلال تأكيد ضبط النفس ووصف الحرب بأنها «ما كان ينبغي أن تحدث أبداً»، تحافظ بكين على علاقاتها مع الأطراف الفاعلة في المنطقة، مع تجنّب الانحياز الصريح لأي طرف، ويتيح هذا الموقف مرونة دبلوماسية ويُعزّز صورتها كطرف مساهم في الاستقرار.

«الصبر الاستراتيجي»

ومع تزايد الحذر من الولايات المتحدة التي يصعب التنبؤ بتصرفاتها، يمكن أن تظهر بكين كطرف محاور موثوق به، ما يعزّز مصداقيتها في مجالات متعددة، وقد تؤدي المظاهر المتكررة لضبط النفس، وعروض الوساطة إلى تعزيز نفوذ الصين تدريجياً، دون الحاجة إلى حل مباشر للصراع.

ويُشير نهج «الصبر الاستراتيجي» إلى الكفاءة والموثوقية، على النقيض من عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة، كما يرفع مكانة الصين بشكل غير معلن، باعتبارها نقطة مرجعية بديلة للجهات الفاعلة الإقليمية.

لكن نهج الصين لا يخلو من مخاطر، فقد تتصرف كوريا الشمالية بشكل غير متوقع، ما يحدّ من قدرة بكين على تشكيل النتائج، وقد تحد تقلبات الولايات المتحدة وسياستها الداخلية من التنازلات.

كما يفرض التشكك الإقليمي، لاسيما من كوريا الجنوبية واليابان، قيوداً على قدرة الصين على المناورة، وحتى في خضم هذه الشكوك، تتحول تحركات بكين المتتالية - من بيونغ يانغ إلى الشرق الأوسط إلى المفاوضات التجارية، بشكل متزايد - إلى نهج متماسك، ما يُعزّز موقعها النسبي دون الاعتماد على خطط محددة سلفاً بشكل صارم. عن «ذا دبلومات»

• بكين تعتزم الحفاظ على دورها المركزي في أي دبلوماسية متجددة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

الأكثر مشاركة