السياسات الأميركية تنعش السندات الحكومية الصينية
مع تآكل مصداقية الدولار بفعل الرسوم الجمركية الأميركية، قد يصبح امتياز بيع السندات حكراً على الصين الآن.
يساعد «الامتياز الكبير»، الذي تتمتع به الولايات المتحدة، على بيع سندات الدين الأميركية لأجل 10 سنوات بعائدات تصل إلى 4.1%، حتى مع اقتراب الدين القومي من 40 تريليون دولار.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون حيازات البنوك المركزية الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية في أدنى مستوياتها منذ عام 2012، فقد بلغت قيمة سندات الخزانة التي يتم الاحتفاظ بها لمصلحة المؤسسات الخارجية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك 2.7 تريليون دولار.
ولاشك في أن بعض مبيعات السندات الصينية، التي بلغت نحو 82 مليار دولار منذ أواخر فبراير 2026، تعكس قيام الحكومات بتوفير سيولة نقدية لدعم عملاتها الوطنية، ومساندة النمو الاقتصادي المتراجع. لكن هذا التوجه نحو التخلي عن الأصول الدولارية يعكس أيضاً تراجع الثقة في الحكومة الأميركية ومؤسساتها، وهنا يبدو أن الصين تتجه نحو لعب دور الملاذ الآمن.
مميزات الصين
يشير مدير الأبحاث في «شركة أورينت غولدن للتصنيف الائتماني»، يو ليفينغ، إلى أنه وإلى جانب النمو الاقتصادي بنسبة 5%، فإن الصين أقل عرضة لتأثيرات ارتفاع أسعار النفط، ويعود ذلك إلى امتلاك بكين احتياطيات نفطية استراتيجية ضخمة، وسهولة الوصول إلى النفط والغاز الطبيعي الروسيين بأسعار زهيدة، فضلاً عن علاقاتها التاريخية مع إيران التي تسمح لسفنها بالمرور عبر مضيق هرمز، وهي ميزة لا تتمتع بها اليابان، ولا كوريا الجنوبية، ولا معظم اقتصادات جنوب شرق آسيا.
ويتابع يو: «في ظل المخاطر الجيوسياسية المتكررة، برز دور سندات (الرنمينبي)، وهي السندات الصينية، كملاذ آمن»، مشيراً إلى أن 10 سنوات من تدويل «اليوان» بدأت تؤتي ثمارها في عام 2026.
وبالطبع، فإن المخاطر كثيرة، فالوتيرة البطيئة التي يتبعها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في جعل «اليوان» قابلاً للتحويل بالكامل، وزيادة الشفافية المالية، ومنح بنك الشعب الصيني صلاحياته الكاملة في اتخاذ قراراته السياسية، تقيد إمكانات أصول البر الرئيس.
وفي الوقت نفسه، لايزال النظام المالي الأساسي هشاً للغاية، ما يثير قلق المستثمرين، وقد دخلت أزمة العقارات في الصين عامها الرابع، ما أدى إلى كبح الإنفاق الاستهلاكي، في وقت لايزال فيه الانكماش يشكل خطراً واضحاً وملموساً على مسار الصين.
سياسة ترامب
في الواقع، فإن سياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على الاحتياطي الفيدرالي، ناهيك عن سياسته الخارجية لا تُفيد الدولار ولا الدين الحكومي الأميركي بأي شكل من الأشكال.
ويقول مدير الاستثمار في «شركة إيه جيه»، بيل روس مولد: «تتضافر التعريفات الجمركية وأساليب التجارة القسرية، والتحديات التي تواجه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وارتفاع تقييمات سوق الأسهم الأميركية وتزايد العجز الفيدرالي، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في مفهوم الاستثنائية الأميركية».
من جانبه، يقول الاستراتيجي في بنك «باركليز»، ميتول كوتيشا، لصحيفة «فايننشال تايمز»، إن الأمر مهم، إذ إن الصين أقل تأثراً بتمرير عائدات الطاقة، كما أن وضعها الاقتصادي مختلف تماماً، فبنك الشعب الصيني في وضع مختلف عن البنوك المركزية الأخرى.
ويضيف: «مازلنا نترقب احتمالية قيام الصين بتخفيف سياستها النقدية، وهو ما يمثل خلفية نقدية مختلفة تماماً عما نشهده في أماكن أخرى».
السندات الصينية
هذه ليست المرة الأولى التي يعيد فيها المستثمرون العالميون اكتشاف سوق السندات الصينية المعزولة نسبياً، فبما أن السندات الحكومية الصينية، مثل نظيرتها اليابانية، يهيمن عليها المستثمرون المحليون، فإنها أقل عرضة لهرب رؤوس الأموال على نطاق واسع.
ويشير المؤسس المشارك لشركة الأبحاث «غافيكال»، تشارلز غيف، إلى أنه «ومنذ عام 2012، كان الاستثمار في السندات الحكومية الصينية أحد السبل القليلة المتاحة لمستثمري السندات الحكومية العالميين لتحقيق أداء يفوق معدل التضخم في الولايات المتحدة».
أما مدير المَحافظ في شركة «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول، جيسون بانغ، فيرى أن الدين الحكومي الصيني يتميز حالياً بـ«ارتباط منخفض للغاية»، في لحظة مضطربة بشكل استثنائي في الشؤون العالمية.
ويتفق كبير مسؤولي الاستثمار في الخدمات المصرفية الخاصة ببنك «دويتشه»، جاكي تانغ، على أن «خصوصية» اعتماد الصين على الطاقة تُعد «عامل تمييز» رئيس للمستثمرين العالميين.
ويتوافق هذا مع الاعتقاد السائد بأن الحزب الشيوعي بقيادة شي جين بينغ، على أهبة الاستعداد لتحقيق الاستقرار في أسواق البر الرئيس، بما في ذلك أسواق الأسهم، ما يوفر للمستثمرين العالميين آلية لامتصاص الصدمات في عام 2026.
«صُنع في الصين»
وبفضل برنامج «صُنع في الصين 2025» الذي أطلقه الرئيس شي جين بينغ، عام 2015، تحقق الصين نجاحات كبيرة في مجال التكنولوجيا، ومن بين هذه النجاحات شركة «بي واي دي» لصناعة السيارات الكهربائية التي تفوقت على شركة «تسلا» التي يملكها إيلون ماسك في مجال المبيعات العالمية، إضافة إلى شركة «ديب سيك» التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي أحدث نموذجها المنخفض التكلفة ضجة كبيرة في «وادي السيليكون» الأميركي.
ويُشير الخبير الاقتصادي كيو جين من جامعة «هونغ كونغ» للعلوم والتكنولوجيا إلى أن «الصين تجسد مفارقة لافتة»، إذ تعد من بين أكثر القوى التكنولوجية ديناميكية في العالم، وتحقق طفرات في مجالات الذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية، والتصنيع المتقدم بوتيرة متسارعة، ومع ذلك، لايزال النمو الاقتصادي يتباطأ، والسبب ليس خافياً، فكما تشير الخطة الخمسية الأخيرة للحكومة، تشهد الصين تحولاً هيكلياً، لا تباطؤاً دورياً، إذ يفسح النموذج القديم المجال لنموذج جديد لم يترسخ بعد.
وكما يقول الخبير المخضرم في الشأن الصيني، بيل بيشوب، ومؤلف نشرة «سينوسيزم»، فإن اجتماعات تخطيط السياسات التي تم عقدها الشهر الماضي في بكين، أقرت بوجود فائض في الطاقة الإنتاجية وانكماش اقتصادي، وهو تنازل ملحوظ، وهناك بعض التدابير الجديدة التي تهدف إلى التخفيف من التداعيات المحلية للدعم الصناعي واسع النطاق، لكن لا شيء في التقرير يشكك في نموذج النمو الأساسي. وتعزز مسودة الخطة الخمسية الـ15 المرفقة هذه الأفكار.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات الاقتصادية، تشهد السندات الحكومية الصينية انتعاشاً ملحوظاً، بدعم قوي من السياسة الأميركية الحالية.
• حيازات البنوك المركزية الأجنبية من السندات الأميركية في أدنى مستوى منذ 2012.
الإصلاحات الاقتصادية في الصين
يبقى على عاتق الرئيس الصيني، شي جين بينغ، ضمان مواكبة الإصلاحات الهيكلية على أرض الواقع في الصين، لتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وعلى المدى البعيد تتوقف آفاق الصين وجهةً استثماريةً موثوقةً ومستقرةً على مدى سرعة تنفيذ فريق شي لإصلاحات اقتصادية جوهرية.
وتكمن المهمة الأكثر إلحاحاً في إنهاء أزمة سوق العقارات، وهذا ليس بالأمر الهين في اقتصاد يرتبط فيه نحو 70% من ثروة الأسر بالعقارات.
ومن ثم، فإن تخفيف القيود على اليوان ومنح بنك الشعب الصيني مزيداً من الاستقلالية، سيشير إلى تحول حقيقي نحو مبادئ عالم الاقتصاد الأميركي الشهير، آدم سميث.
وفي الحقيقة، فإن إدراج الشركات الصينية في مؤشرات عالمية مثل «إم إس سي إي» أو «روسل إف تي إس إي» لا يجعل الشركات الصينية أكثر شفافية، ولا يقلل من هيمنة الشركات المملوكة للدولة، ولا يقنع 1.4 مليار مواطن بأن الأسهم استثمار موثوق مثل العقارات، فوحده العمل الهيكلي الجوهري كفيل بضمان نمو الصين بطريقة أكثر صحة واستدامة، وليس مجرد تسريع وتيرتها.
وكما يقول الخبير الاقتصادي، كيو جين، من جامعة «هونغ كونغ» للعلوم والتكنولوجيا، فإن هذا التحول «لا يقتصر على إعادة توازن النمو فحسب، بل يتعداه إلى ترسيخه محلياً، فالطلب المحلي يوفر حماية من الصدمات الخارجية، وبالتزامن مع أسواق رأس المال المتطورة، يُمكنه أن يُسهم بشكل كبير في تعزيز الاكتفاء الذاتي». عن «آسيا تايمز»
ويليام بيسك*
*كاتب مستقل متخصص في الاقتصاد ومقيم في اليابان