«الناتو» يواجه تحديات داخلية وخارجية تهدد مستقبله في عالم متغيّر

هل لايزال حلف شمال الأطلسي (الناتو) يُشكّل قوة عسكرية مؤثرة، أم أنه أصبح مجرد رمز ومعلَم من الماضي؟ رغم أن علَم الحلف يرفرف في سماء بروكسل، وتستمر لجانه في عقد اجتماعاتها بشكل دوري لبحث القضايا المتعلقة بالحلف، فإن هناك شعوراً متزايداً بالقلق بين ضباطه وموظفيه.

وعلى الرغم من أن البيانات الرسمية تظهر باستمرار استعداد الحلف التام للدفاع عن أراضي الدول الأعضاء فيه، فإن الواقع على الأرض، خصوصاً في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط، يكشف عن صورة مغايرة وحقيقية للحلف، تتسم بالهشاشة والضعف، بعيداً عن الصورة المعلنة.

في الواقع، يبدو أن هذا التحالف الموجود في الأوراق والبيانات يعاني تردداً واضحاً في ممارسة دوره قوة ردع حقيقية. فقد أصبح الحلف، الذي كان في الماضي يُشكّل ركيزة أساسية للأمن الأوروبي، أشبه بـ«شبح خافت»، وأصبحت القارة الأوروبية، التي كانت تحتمي تحت مظلة هذا التحالف، مكشوفة أمام العديد من المخاطر في عالم لا يخشى الأشباح.

في هذا السياق، أصبح التوتر بين حلفاء «الناتو»، وبالأخص مع واشنطن، أمراً لافتاً، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يتبنى مواقف حادة وصارمة، تعكس إعادة حسابات جوهرية حول جدوى استمرار الولايات المتحدة في الاستثمار في أمن أوروبا.

حجر زاوية

«الناتو»، الذي كان يُعدّ شيئاً مهماً لعقود عدة، بعد أن ساعد الغرب في كسب الحرب الباردة، وأتاح لأوروبا فرصة إعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي على حساب الدفاع، أصبح اليوم في مهب الريح.

وفي وقت يشهد فيه الغرب تحديات جديدة، مثل الصراع مع إيران، بدأت تظهر تساؤلات عن مصير هذا التحالف الذي كان يوماً حجر الزاوية للأمن الغربي. وعندما يشكك الرئيس الأميركي، الذي كان يُعدّ الضامن الرئيس للحلف، في جدوى استمراره، فإن ذلك يُشكّل انهياراً لأساسيات الحلف.

وهناك دليل آخر على تراجع مصداقية «الناتو»، ظهر في بداية هذا الشهر في قبرص، حينما اخترقت طائرات مسيّرة المجال الجوي في منطقة أكروتيري، التي تضم قاعدة عسكرية بريطانية.

ورغم التوقعات بأن يصدر عن «الناتو» رد فعل موحد، فإن ما حدث كان مجرد همسات بيروقراطية، في حين استجابت اليونان، التي تتمتع بقدرات عسكرية قوية نسبياً، بسرعة عبر إرسال طائرات وسفن بحرية، للمشاركة في التصدي لهذه التهديدات، بينما لم يظهر «الناتو» أي تحرك فعّال.

حقيقة مرة

من هنا، يبرز السؤال: إذا كان «الناتو» عاجزاً أو رافضاً للرد على الهجمات التي تتعرض لها أراضي أحد أعضائه المؤسسين، فما جدوى استمراره في أداء مهمته الأساسية؟ هذا التساؤل يضع أوروبا أمام حقيقة مرة: الانتقال من وضع «أوروبا المحمية» إلى «أوروبا الهشة»، وهو تحول يعكس أزمة الأمن التي تواجهها القارة في القرن الـ21.علاوة على ذلك، لم يكن «الناتو» في الأساس، مهيأ لمواجهة التحديات المعقدة والمتعددة الأقطاب التي يشهدها العالم اليوم، فقد فشل الحلف في معالجة قضية أوكرانيا المستمرة منذ خمس سنوات، كما عجز عن تأمين الجناح الجنوبي لأوروبا ضد التهديدات غير المتكافئة، وفشل في إظهار جبهة موحدة ضد النظام الإيراني، ورغم كل هذه الإخفاقات، فإن رئاسة ترامب لم تكن السبب في احتمال نهايته، بل هي مجرد مظهر من مظاهر تراجع «الناتو» وفقدان وحدته الداخلية.

المصالح المشتركة

في هذا السياق، يطرح التساؤل: كيف ستكون أوروبا آمنة في عالم يخلو من تأثير «الناتو»؟ الجواب يبدو محبطاً، حيث اختبأت أوروبا لفترة طويلة وراء ضمان أمني لم تدعمه بالكامل، لا مالياً ولا سياسياً، والآن تجد نفسها في وضع إعادة حساب بارد وتجاري بحت، فإذا رفضت العواصم الأوروبية الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة إيران، فإنه من غير المتوقع أن تقف واشنطن إلى جانبها في بحر البلطيق.

لكن في المقابل كيف يمكن لترامب أن يطلب دعم أوروبا في الشرق الأوسط، بعد أن هدد أخيراً بغزو غرينلاند، وهي جزيرة تعود للدنمارك العضو في «الناتو».

إن عدم التوافق هذا في المصالح المشتركة، يتجلى في تراجع الحماية الأميركية للقارة العجوز، بينما أوروبا غير مستعدة للوقوف بمفردها.

الواضح أن العالم يتجه نحو واقع جديد، حيث لم تعد التحالفات التقليدية هي الأساس، بل «تحالفات الراغبين» بين الدول التي تشترك في مصالح واضحة ومحددة. وباتت القوى الكبرى تدعم مصالحها الاستراتيجية من خلال شراكات مباشرة تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة، بدلاً من التوافقات الهشة والتحالفات الشكلية، التي أصبحت من الماضي البعيد.

جرس إنذار

ويبدو أن خطابات ترامب كانت صادمة لكثيرين، لكنها جرس إنذار قاسٍ لطالما حاولت بروكسل تجاهله لسنوات عدة. ولابد من القول إن الرئيس الأميركي ليس سوى أكثر المراقبين صراحة لتدهور يتراكم منذ عقود، كما أن الحقيقة المرة هي أنه حتى لو نجا «الناتو» رسمياً من هذه الحقبة من التغييرات واستمر في الوجود كمنظمة منهكة، فسيفقد أهميته إذا لم يعد لكلمته صدى قوياً مدعوماً بقواعده، وبعزيمة الدول التي تشكله واستعدادها لمواجهة الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها.

أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإذا أراد أن يكون لاعباً قوياً على المسرح الدولي، فإن عليه التوقف عن الاعتماد على درع أمنية باتت تظهر بصورة متزايدة، أنها ليست أكثر من خيال.

وحالياً أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما بناء قدرات دفاعية قوية ومستقلة، والاستعداد لاستخدامها إذا لزم الأمر، ما يجعلها مرهوبة الجانب، وإما الاستعداد للعيش في عالم لم يعد محمياً بتلك الامتيازات التي كانت سائدة في الماضي.    عن «بروكسل سيغنال» كونستانتينوس بوغدانوس* *سياسي وصحافي يوناني

• الحلف الذي ساعد الغرب في كسب الحرب الباردة، وأتاح لأوروبا فرصة إعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي على حساب الدفاع، أصبح اليوم في مهب الريح.

الأكثر مشاركة