تعزيز الوجود الروسي يدفع «الناتو» إلى إعادة التركيز على القطب الشمالي

أعلنت الجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي «الناتو» علناً، أن «التنافس» المتزايد من جانب روسيا في القطب الشمالي، والأهمية الاستراتيجية للمنطقة، يجعلان تعزيز الردع والوضع الدفاعي للحلفاء في أقصى الشمال أمراً ضرورياً.

وهناك إجماع متزايد داخل «الناتو» على أن التطورات في القطب الشمالي ينبغي اعتبارها جانباً لا غنى عنه في جهود الحلفاء للتكيف مع تطورات الجناح الشمالي.

ومنذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022، زادت موسكو من انخراطها في القطب الشمالي، حيث اكتسبت منطقة القطب الشمالي أهمية مركزية لمصداقية الردع الروسي، وطرق التعزيز، وإدارة التصعيد وسط ضغوط متزايدة من الحلفاء الغربيين، بما في ذلك العقوبات والضغط الدبلوماسي وتوسيع «الناتو» بعد عام 2022.

لا يهدف التعزيز العسكري الروسي في القطب الشمالي إلى الرد على «الأعمال العدائية» لـ«الناتو»، بل إن التعزيز الروسي في القطب الشمالي مدفوع بخوف موسكو من محدودية المساحة المتاحة لمناوراتها في أماكن عالمية أخرى تستخدمها تقليدياً كأدوات للردع والضغط ضد أوروبا وحلف شمال الأطلسي. وتسعى روسيا إلى تشكيل عملية صنع القرار في «الناتو» من خلال خلق حالة من عدم اليقين.

والقطب الشمالي هو مساحة يمكن لروسيا من خلالها إظهار عزمها، واختبار حدود رد فعل الحلف، والحفاظ على نفوذها في التصعيد دون الدخول في صراع عسكري علني.

 تعزيز المواقع

لايزال التحكم العملياتي والوعي بالمجال البحري في «ممر غرينلاند - أيسلندا - المملكة المتحدة»، وهو الممر البحري الذي يفصل بين هذه الدول، أمراً بالغ الأهمية لقدرة «الناتو» على الحفاظ على حرية التحرك في المحيط الأطلسي، في ظل مواجهة جهود روسيا التي تشهد انتعاشاً.

ويجب على الحلفاء الأوروبيين الرئيسين الذين لهم مصالح أمنية وطنية في المنطقة القيام باستثمارات موجهة لتعزيز مواقعهم، وتأمين قدرة «الناتو» القتالية في الممر البحري الاستراتيجي.

لقد أعلنت روسيا، مثل الصين، بالفعل عن طموحاتها في القطب الشمالي، كما أنها تدرك جيداً الأهمية الاستراتيجية للمنطقة.

يتمتع الأسطول الشمالي الروسي بوصول خالٍ من الجليد على مدار العام إلى المحيط الأطلسي عبر «ممر غرينلاند - أيسلندا - المملكة المتحدة»، من مورمانسك في شبه جزيرة كولا.

وتعمل موسكو على بناء وتطوير قواعد في أراضٍ نائية في القطب الشمالي، بما في ذلك «فرانز جوزيف لاند» و«نوفايا زيمليا»، ونشر دفاعات جوية، وإجراء تدريبات بحرية منتظمة لتطبيع العمليات في أقصى الشمال والقطب الشمالي.

الجدير بالذكر هنا أن روسيا تدعم هذا الموقف بأسطول كبير من كاسحات الجليد القادرة على العمل في القطب الشمالي. وفي الوقت نفسه، لا يشغّل «الناتو» سوى عدد قليل منها، ما يمنح التحالف قدرة محدودة للغاية في المياه المغطاة بالجليد، حتى في الوقت الذي تلجأ فيه الولايات المتحدة إلى ميثاق «مبادرة التعاون في مجال كاسحات الجليد»، مع كندا وفنلندا لبدء تجديد أسطول كاسحات الجليد.

التزامات الردع

علاوة على ذلك، صُممت الغواصات الروسية من فئتي «ياتسين» و«بوري» للتسلل عبر أنظمة الكشف التقليدية، وهي مزودة بصواريخ «كروز»، وصواريخ تفوق سرعة الصوت متطورة، لتشكل خطراً على أصول «الناتو». وفي الوقت الذي تتأقلم فيه أوروبا تدريجياً مع التزامات الردع، تعمل روسيا بالفعل على نشر الأدوات والمنصات اللازمة لمواجهة الحلف.

على الرغم من أن «الناتو» لم يكن غافلاً عن هذا التهديد، إلا أن جهوده مجزأة وضعيفة. وتقوم المجموعة البحرية الدائمة الأولى للحلف بدوريات منتظمة في «ممر غرينلاند - أيسلندا - المملكة المتحدة»، وأقصى الشمال، حيث قادت الدنمارك الدورية الأخيرة، تليها هولندا.

وتختبر تدريبات مثل «النمس النشط» و«فايكنغ الشمال»، قدرات الحرب المضادة للغواصات بين السفن السطحية والغواصات وطائرات الدورية البحرية والمروحيات.

وقد عززت عمليات نشر طائرات «بي - 8 بوسيدون»، التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني أخيراً في أيسلندا، القيمة الاستراتيجية لمواقع العمليات الأمامية للعمليات المضادة للغواصات.

ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لا ترقى إلى مستوى خطة متماسكة على نطاق المسرح العسكري لتقوية الحاجز ضد أسطول روسيا البحري المتزايد القدرات.

دوريات منتظمة

ويعتمد المسار المستقبلي للردع على مجموعة من الحلفاء في الخطوط الأمامية: المملكة المتحدة وهولندا والدنمارك والنرويج، كما سيكون للوجود الألماني دور حاسم. وتستثمر جميع هذه الدول في سفن وطائرات جديدة مناسبة للعمليات في شمال المحيط الأطلسي، لكنها تحتاج إلى ضبط وتيرة العمل وتسريعه.

فقد بدأت المملكة المتحدة في تعزيز «حصن الأطلسي» من خلال عقود جديدة لشراء أجهزة استشعار صوتية ومركبات ذاتية القيادة، في حين تقوم طائرات «بي - 8 بوسيدون» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بدوريات منتظمة في مضيق «غاب» والبحر النرويجي.

وتقوم الدنمارك والنرويج بتحديث أساطيلهما السطحية، وشراء سفن مجهزة للعمل في القطب الشمالي، وتخصيص موارد للمشاركة في دوريات القوة البحرية المتعددة الجنسيات. أما هولندا، فتقوم بشراء سفينة سطحية قادرة على العمل في القطب الشمالي، لكنها تفتقر إلى أي طائرات دورية بحرية فعالة، وهو أمر ضروري لأي صراع مستقبلي كبير في المنطقة.

كما أصبحت ألمانيا حاسمة في الجهود المبذولة لأمن شمال الأطلسي، حيث تهدف إلى أن تصبح مشاركاً منتظماً في الدوريات عبر «ممر غرينلاند - أيسلندا - المملكة المتحدة».

وأثار الجدل الأخير حول مستقبل جزيرة غرينلاند، الذي أشعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اهتمام الرأي العام الأميركي بأمن القطب الشمالي، لكن هناك قصة أوسع يجب سردها حول أهمية المنطقة أيضاً.

تنافس متزايد

ويعد القطب الشمالي منطقة متزايدة الأهمية بالنسبة للطاقة والأمن والجيوسياسة. ويستمر ذوبان الجليد البحري في فتح الوصول إلى المنطقة، غير أن التنافس المتزايد بين القوى الكبرى حوّل أقصى الشمال إلى خط أمامي للمنافسة الاستراتيجية.

إن هيمنة روسيا على نصف الساحل القطبي الشمالي، وتعميق الشراكة «بلا حدود» بين الصين وموسكو، يعيدان تشكيل الوصول إلى الموارد والطرق والنفوذ، ما يزيد من مخاطر التصعيد. على الرغم من وجود العديد من النقاط الساخنة التي تستحوذ على الاهتمام في العالم، يتعين على صانعي السياسات في واشنطن، إلى جانب الرئيس، التركيز بشكل أكبر على القطب الشمالي، ليس فقط على كيفية تغيره والفرص التي تظهر فيه، بل أيضاً على كيفية تصرف موسكو وبكين في المنطقة.

يحتوي القطب الشمالي على احتياطات هائلة غير مستغلة من الهيدروكربونات، تقدر بـ90 مليار برميل من النفط (16% من إجمالي الاحتياطات العالمية غير المكتشفة)، واحتياطات الغاز الطبيعي، إضافة إلى رواسب كبيرة من المعادن الثمينة الضرورية للتكنولوجيا المتطورة والانتقال إلى الطاقة النظيفة.

تأكيد الهيمنة

لطالما نظرت روسيا إلى القطب الشمالي باعتباره جوهر أمنها واقتصادها. ونتيجة لذلك، سعت إلى تحديث قواعدها العسكرية ودفاعاتها الجوية وقدراتها النووية في المنطقة، مع شن عمليات لردع حلف شمال الأطلسي. وأكثر من نصف ساحل المحيط المتجمد الشمالي يقع في الأراضي الروسية، وقد أعادت موسكو بناء العشرات من المواقع والمنشآت التي تعود إلى الحقبة السوفييتية لتأكيد هيمنتها. وأقصر طريق للصواريخ الباليستية والصواريخ المجنحة لضرب أميركا الشمالية يمر فوق القطب الشمالي.

ولايزال القطب الشمالي، وهو موطن هش للشعوب الأصلية والنظم البيئية الفريدة، مهدداً من قبل الجهات الفاعلة المختلفة وذوبان الجليد البحري، ومع ذلك تهيمن الأولويات الاستراتيجية الآن على الخطاب. وتتطلب حماية الطرق والموارد والاستقرار دبلوماسية قوية، لكن الديناميكية بين روسيا والصين تجلب مخاطر جديدة، تتمثل في المنافسة دون العتبة والتحديات المختلطة.  عن «أتلانتك كاونسل»

ساحة تحدٍ

لم يعد القطب الشمالي مجرد قضية تتعلق بالمناخ أو الموارد، بل أصبح ساحة جيوسياسية، يتحدى فيها التعاون المتعمق بين روسيا والصين الهيمنة الغربية، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل قطاعات الطاقة والأمن والتجارة. ويجب على التكتلات المتعددة الأطراف أن تتكيف مع هذا الوضع، وإلا فإن المناورات الثنائية بين القوى قد تهيمن على مستقبل منطقة أقصى الشمال.

• التعزيز العسكري الروسي في القطب الشمالي مدفوع بخوف موسكو من محدودية المساحة المتاحة لمناوراتها في أماكن عالمية أخرى تستخدمها تقليدياً كأدوات للردع والضغط على أوروبا و«الناتو».

الأكثر مشاركة