أوربان يُعد أحد أقرب الحلفاء الأوروبيين لترامب. أرشيفية

الانتخابات المجرية.. اختبار جديد لحدود نفوذ الاتحاد الأوروبي في الدول الأعضاء

بعد التجارب الانتخابية التي شهدتها كل من بولندا وجورجيا ورومانيا، أصبح واضحاً أن الانتخابات المقبلة في المجر قد تُمثل الاختبار التالي لمسألة تدخل الاتحاد الأوروبي في المسارات الانتخابية للدول الأعضاء أو القريبة منه. ويثير هذا الاحتمال مخاوف متزايدة من أن تقع بروكسل وبعض العواصم الأوروبية في خطأ الخلط بين ما تتمنّى حدوثه سياسياً وبين ما قد يفرضه الواقع الفعلي على الأرض.

ويبدو أن الرغبة السائدة لدى بعض الأوساط الأوروبية بسيطة وواضحة في ظاهرها. فبعد أربعة انتخابات سابقة حقق فيها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، انتصارات كاسحة، وبعد سنوات طويلة من التوتر والصراع السياسي بينه وبين مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومع تصاعد الانتقادات الموجهة إليه، يتبنى كثيرون تصوراً واحداً لما قد يحدث في الانتخابات المقبلة، وهو تحقيق منافسه بيتر ماغيار، فوزاً ساحقاً، بل إن البعض يتعامل مع هذا السيناريو وكأنه أمر محسوم حتى قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية بشكل رسمي.

الواقع السياسي

غير أن الواقع السياسي قد يكون أكثر تعقيداً مما تعكسه هذه التوقعات المتفائلة بالنسبة لخصوم أوربان. فهناك احتمال كبير بأن تكون الانتخابات متقاربة إلى حد بعيد، كما حدث في انتخابات عام 2022. وفي مثل هذا السيناريو، ستتحدد النتيجة النهائية بناءً على مجموعة من العوامل السياسية والأيديولوجية والجغرافية وحتى الجيلية، وهو نمط بات مألوفاً في العديد من الدول الديمقراطية.

فمن جهة، يقف رئيس وزراء يشغل منصبه منذ 16 عاماً، ويُعد من أكثر القادة خبرة بين نظرائه الأوروبيين. ويُعرف أوربان بمواقفه الصدامية مع بروكسل، كما يتمتع بقاعدة انتخابية راسخة، لاسيما بين كبار السن وفي المناطق الواقعة خارج العاصمة بودابست.

ومن جهة أخرى، يبرز منافسه الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية الطويلة مقارنة بأوربان، كما أنه شخصية مثيرة للجدل في بعض الأوساط. إلا أنه يتمتع بحضور قوي ونشاط كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، ويحظى بشعبية ملحوظة بين الناخبين الشباب، خصوصاً في بودابست. كما أنه يحظى بتأثير ودعم من حزب الشعب الأوروبي، ويُعرف بمهارته في الخطاب السياسي وقدرته على توظيف اللغة بفعالية في حملاته.

وبناءً على ذلك، من المرجح أن تكون المنافسة شديدة للغاية، وأن يتم حسمها في نهاية المطاف عبر صناديق الاقتراع. كما أن احتمال فوز حزب «فيدس» الحاكم لايزال قائماً بقوة، وهو ما تعكسه أيضاً نتائج بعض الانتخابات الفرعية التي جرت أخيراً.

قلق

وبطبيعة الحال، يحق لكل طرف أن يتمسك بآماله وتوقعاته. لكن بالنظر إلى سجل الاتحاد الأوروبي في التعامل مع بعض العمليات الانتخابية خلال الفترة الأخيرة، يرى بعض المراقبين أن هناك ما يدعو إلى القلق من احتمال أن تحاول بروكسل وبعض حلفائها تحويل رغباتهم السياسية إلى واقع عملي، مهما كانت الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك.

ومن الأمثلة التي تطرح في هذا السياق ما حدث في بولندا، حيث استخدم التلويح بالضغط المالي كوسيلة مؤثرة، وهو ما يعتقد أنه أسهم في وصول دونالد توسك إلى السلطة. كما يشير البعض إلى ما جرى في جورجيا، حيث تعرضت الحكومة المنتهية ولايتها لانتقادات وضغوط متواصلة، بما في ذلك احتجاجات في الشوارع، إضافة إلى إثارة الشكوك حول نزاهة العملية الانتخابية.

أمّا في رومانيا، فيرى بعض المنتقدين أن الاتحاد الأوروبي تغاضى عن إلغاء الانتخابات بذريعة وصفت بأنها غير دقيقة، مع توظيف الخطاب المتعلق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقضية التضليل الإعلامي، كعوامل سياسية في النقاش.

ضغوط

وفي الحالة المجرية، يذهب بعض المحللين إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يستخدم مجموعة واسعة من الأدوات والضغوط، وذلك لأن حكومة أوربان تُعد بالنسبة لكثيرين في البرلمان الأوروبي ولرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وعدد من العواصم الأوروبية، عقبة أساسية أمام رؤيتهم السياسية لمستقبل الاتحاد.

ومن بين أبرز القضايا التي تعمق هذا الخلاف مسألة أوكرانيا، والتي تُعد مشروعاً محورياً بالنسبة لكثير من القادة الأوروبيين، خصوصاً في ما يتعلق بفكرة تسريع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وينظر إلى أوربان على أنه أحد أبرز المعارضين لهذا التوجه، وهو ما يجعله في نظر خصومه عقبة رئيسة أمام هذا القرار الذي يعتبره البعض جريئاً، لكنه في الوقت ذاته يثير جدلاً واسعاً داخل أوروبا.

ومع اقتراب موعد الانتخابات بستة أسابيع، وصلت التوترات السياسية إلى مستويات مرتفعة. ويخشى بعض المراقبين من أن تصبح جميع الوسائل مباحة في هذه المرحلة، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، بما في ذلك التدخلات غير المباشرة، والتدقيق المكثف في المعلومات، أو حتى الضغوط السياسية والاقتصادية غير المعلنة.

فرصة مثالية

ويرى بعض المتابعين أن الانتخابات المقبلة قد تُشكل فرصة مثالية لمحاولة عزل أوربان نهائياً بعد فوزه المتوقع، بل إن هناك من يطرح فكرة إخراج المجر من الاتحاد الأوروبي كخيار محتمل. إلا أن مثل هذه التصورات، بحسب منتقديها، قد تعكس مرة أخرى الخلط بين التمنيات السياسية والواقع الجيوسياسي.

وفي الوقت الذي تشهد فيه الأفكار السيادية زخماً متزايداً في عدد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تتغير أيضاً طبيعة التحالفات السياسية الدولية. وهنا، يُنظر إلى أوربان بوصفه أحد أقرب الحلفاء الأوروبيين للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما قد يمنحه دعماً سياسياً إضافياً في مواجهة خصومه داخل الاتحاد الأوروبي.  عن «بروكسل سيغنال»

• مخاوف من وقوع بروكسل وبعض العواصم الأوروبية في خطأ الخلط بين التمنيات السياسية والواقع.

الأكثر مشاركة