أوروبا في ظل حرب إيران.. بين الانقسام السياسي ومخاطر الاقتصاد والهجرة
لا تُعد أوروبا طرفاً مباشراً في حرب إيران وفق المفهوم التقليدي للحروب، فالقوات الأوروبية لا تقتحم الأراضي الإيرانية، كما أن الطائرات الأوروبية لا تشن غارات على طهران. ومع ذلك، ومع اتساع رقعة الصراع، بدأ الأوروبيون يجدون أنفسهم تدريجياً داخل دائرة الخطر، حتى وإن لم يكونوا مشاركين ميدانياً في الحرب.
ونادراً ما تبقى الحروب في الشرق الأوسط محصورة داخل حدود إقليمية لفترة طويلة، حيث سرعان ما تمتد آثارها إلى مناطق أخرى من العالم. والحرب الحالية قد تحمل عواقب ثقيلة على أوروبا، ليس فقط من الناحية الجيوسياسية، بل أيضاً على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فالتأثيرات المحتملة تمتد من أسواق الطاقة إلى مسارات الهجرة، ومن طبيعة العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تصاعد الخطابات الشعبوية. ومع مرور الوقت، بدأت هذه التداعيات بالفعل تتسلل إلى مختلف أنحاء القارة الأوروبية.
وتبدو هذه التداعيات ذات طابع استراتيجي واضح، خصوصاً في ظل الانقسام داخل أوروبا بشأن هذه الحرب، فقد أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً حذراً، دعا فيه جميع الأطراف إلى «ضبط النفس إلى أقصى حد ممكن»، وهو موقف يعكس في الحقيقة صعوبة التوصل إلى موقف موحد بين الدول الـ27 الأعضاء، التي تتباين توجهاتها السياسية ورؤاها الاستراتيجية تجاه الصراع.
تباين المواقف
وفي هذا السياق، يقف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، على أحد طرفي النقاش الأوروبي، حيث يبدو واضحاً أنه يؤيد الحملة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وكذلك الجهود الغربية الأوسع التي تهدف إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية. ويرى العديد من الخبراء الاستراتيجيين في برلين أن هذا الموقف يستند إلى منطق واضح، مفاده أن طموحات إيران النووية، إلى جانب شبكتها الواسعة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، تشكل تهديداً ليس لإسرائيل وحدها، بل للأمن الغربي ككل.
ويتوافق موقف ميرتس مع العقيدة الاستراتيجية الألمانية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: التضامن مع إسرائيل، والالتزام بالتحالف مع الولايات المتحدة، والاقتناع بأن الحفاظ على الاستقرار الجيوسياسي قد يتطلب أحياناً استخدام قدر كبير من القوة.
وفي المقابل، يقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، موقفاً مختلفاً تماماً، حيث رفضت مدريد السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في إسبانيا لتنفيذ عمليات مرتبطة بالحرب، كما دانت الضربات الموجهة لإيران، واعتبرتها تصعيداً خطراً قد يدفع المنطقة نحو حالة من الفوضى، بل إن سانشيز ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما اتهم واشنطن بأنها «تلعب من خلال لعبة (الروليت) الروسية بمصير الملايين».
ويجسد هذا التباين بين موقفي ميرتس وسانشيز معضلة أعمق داخل أوروبا، فمن جهة، هناك الواقعية الأطلسية التي يمثلها ميرتس، ومن جهة أخرى هناك الاعتراض المبدئي الذي يجسده سانشيز. ويكشف هذا الصدام بوضوح عن غياب عقيدة استراتيجية أوروبية موحدة تجاه الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن تداعيات الحرب ستصل إلى أوروبا، سواء نجحت الدول الأوروبية في الاتفاق على موقف موحد أم لا.
الجانب الاقتصادي
وربما يكون الجانب الاقتصادي هو الأكثر إلحاحاً في هذه التداعيات، فقد بدأ مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، يشهد اضطرابات نتيجة الردود الإيرانية والتحذيرات المتعلقة بالملاحة البحرية، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، حيث أشارت تقارير إلى أن سعر الخام ارتفع بأكثر من 12% خلال الأسبوع الأول من الحرب.
ويأتي هذا التطور في وقت غير مناسب إطلاقاً بالنسبة لأوروبا، التي لم تتعافَ بعد بشكل كامل من الصدمات الاقتصادية التي أعقبت الحرب في أوكرانيا.
فلاتزال الأنظمة الاقتصادية الأوروبية شديدة الحساسية لصدمات الطاقة. وخلال السنوات الثلاث الماضية، بذلت القارة جهوداً كبيرة لاستبدال إمدادات الغاز الروسي، عبر إنشاء محطات للغاز الطبيعي المسال وتنويع مصادر الاستيراد. ومع ذلك، تظل المشكلة الأساسية قائمة، وهي أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة من الخارج.
وإذا تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لقيود كبيرة، فإن أوروبا ستشعر سريعاً بآثار ذلك، سواء من خلال ارتفاع أسعار الوقود، أو عودة الضغوط التضخمية، أو تباطؤ النمو الاقتصادي. وقد حذر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بالفعل من أن هذا الصراع قد يضر ثقة المستثمرين العالميين، ويضعف الزخم الاقتصادي.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد البنوك المركزية الأوروبية نفسها أمام معضلة جديدة، فبعد سنوات من التضخم المرتفع، بدأت هذه البنوك أخيراً في تخفيف سياساتها النقدية بحذر، لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يعقد قرارات أسعار الفائدة، ويهدد عملية التعافي الاقتصادي الهشة.
قضية الهجرة
ورغم خطورة التداعيات الاقتصادية، فإن القضية الأكثر حساسية من الناحية السياسية قد تكون الهجرة. فكل صراع كبير شهدته منطقة الشرق الأوسط خلال ربع القرن الماضي، أدى في نهاية المطاف إلى موجات نزوح وصلت إلى حدود أوروبا، وقد تسفر الحرب مع إيران عن نتيجة مماثلة.
وقد تكون الأرقام المحتملة كبيرة للغاية، فإيران وحدها يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، وحتى لو كانت نسبة صغيرة فقط من هؤلاء تسعى إلى اللجوء، فإن ذلك قد يشكل ضغطاً هائلاً على أنظمة الهجرة الأوروبية التي لاتزال تعاني هشاشة سياسية منذ أزمة اللاجئين عام 2015.
وفي العادة لا تبقى مسألة الهجرة قضية إنسانية لفترة طويلة، حيث تتحول بسرعة إلى ملف سياسي شديد الحساسية.
وقد استطاعت الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية في أوروبا تحقيق مكاسب انتخابية كبيرة عبر التركيز على قضايا الحدود والهوية والسيطرة على الهجرة، فمن حزب البديل من أجل ألمانيا، إلى التيارات القومية في إيطاليا، مروراً بحركة مارين لوبان في فرنسا، وصولاً إلى الأحزاب المتشددة في الدول الإسكندنافية، تبقى الهجرة أحد أقوى العوامل المحركة للاضطرابات السياسية داخل القارة.
معضلة
وفي النهاية، وإن لم تطلق أوروبا أي صواريخ على إيران، فإن اقتصادها سيظل عرضة للتأثر المباشر بنتائج هذه الحرب، فالقارة الأوروبية تمتلك نفوذاً اقتصادياً ودبلوماسياً مهماً، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على القوة العسكرية الأميركية لضمان أمنها ضمن إطار «الناتو». كما تعتمد بدرجة كبيرة على الشرق الأوسط في تأمين جزء مهم من احتياجاتها من الطاقة. وفي المقابل، تجد صعوبة في صياغة موقف دبلوماسي موحد عندما تختلف دولها الأعضاء حول قضايا أساسية تتعلق بالحرب والسلام.
ويعكس الخلاف بين ميرتس وسانشيز هذه المعضلة على نحو مصغر، فألمانيا ترى أن التحالف عبر الأطلسي يمثل حجر الأساس للأمن الأوروبي، ولذلك تميل إلى دعم الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة. أما إسبانيا، فترى في الأزمة فرصة، وربما مسؤولية، لتعزيز صوت أوروبي أكثر استقلالية في السياسة الدولية.
ومع ذلك، لا يبدو أي من الموقفين مثالياً بالنسبة لأوروبا، فالتقارب الوثيق مع واشنطن قد يجر القارة إلى صراعات لا ترغب في الانخراط فيها. وفي المقابل، فإن الابتعاد المفرط عن الولايات المتحدة قد يعرض أوروبا لخطر العزلة عن التحالف الذي يشكل الضامن الأساسي لأمنها.
وفي الواقع، فإن كلا الزعيمين يتعامل مع حقيقة واحدة غير مريحة: أوروبا تتأثر بشدة بالصراعات التي تدور في الشرق الأوسط، لكنها نادراً ما تملك القدرة على التأثير في مسار تلك الصراعات. عن «أيجا تايمز»
اختبار حقيقي
قد يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا، وزيادة ضغوط الهجرة، وتصاعد نفوذ الحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا، إضافة إلى توتر أكبر في العلاقات عبر الأطلسي. وبالنسبة لقارة تواجه أصلاً حرباً على حدودها الشرقية، وتعاني انقسامات سياسية داخلية، فإن الصراع مع إيران لا يمثل مجرد أزمة خارجية عابرة، بل إنه يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة أوروبا على الصمود والتماسك. وستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت القارة قادرة على مواجهة هذا التحدي بصف موحد، أم أن هذه الحرب ستعمّق الانقسامات القائمة، وتزيد من هشاشة المشروع الأوروبي.
فأوروبا، وإن لم تشارك مباشرة في هذا الصراع، ستظل مضطرة إلى التعايش مع تداعياته.
• تباين المواقف الأوروبية بشأن الحرب يكشف بوضوح عن غياب عقيدة استراتيجية أوروبية موحدة تجاه الشرق الأوسط.
• أوروبا تمتلك نفوذاً اقتصادياً ودبلوماسياً مهماً، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على القوة العسكرية الأميركية لضمان أمنها ضمن إطار «الناتو».