الاقتصاد الإسباني يخشى تبعات التصعيد ممكي ع إدارة ترامب
في حين أن الطبقة السياسية في إسبانيا قد تكون ثابتة في تحديها للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فإن شركاتها وقادتها الإقليميين يسارعون إلى محاولة استشراف شكل الرد الانتقامي الذي قد تقوم به واشنطن.
ويُخشى أن يتحول الخلاف عبر الأطلسي بين واشنطن ومدريد، الذي نشأ بعد أن رفض رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، السماح للطائرات العسكرية الأميركية باستخدام القواعد الجوية المشتركة على الأراضي الإسبانية لمهاجمة إيران، إلى قطيعة كاملة. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بقطع جميع العلاقات التجارية مع رابع أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، كرد انتقامي.
وليس من السهل على الولايات المتحدة أن تسبب أضراراً اقتصادية لإسبانيا. ويعمل الاتحاد الأوروبي كسوق مشتركة خالية من الحواجز تضم 27 دولة، وهي كيان تجاري جماعي لا يمكن تقسيمه أو تجزئته بردود فعل فردية، لكن الشركات الإسبانية لا تغامر، نظراً إلى مدى ضعف البلاد أمام الحظر التجاري الأميركي. والولايات المتحدة هي المورّد الرئيس للوقود الأحفوري لإسبانيا. كما أن أكثر من 15% من النفط الذي استوردته إسبانيا العام الماضي، جاء من الولايات المتحدة التي وفّرت أيضاً نسبة قياسية بلغت 44% من واردات البلاد من الغاز الطبيعي المسال في يناير الماضي وحده. وبالتالي سيكون قطع إمدادات النفط والغاز من أميركا أمراً مدمراً للاقتصاد الإسباني، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، بسبب التوترات في منطقة الشرق الأوسط.
مصدر قلق
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تُمثّل أقل من 5% من إجمالي صادرات إسبانيا خارج الاتحاد الأوربي، فإن تعليق العلاقات التجارية سيكون له تأثير خطر على مناطق مثل إقليم الباسك المتمتع بالحكم الذاتي، وهو لاعب صناعي رئيس. وقال رئيس الشؤون الخارجية في حكومة الباسك، أندر كاباليرو، خلال مقابلة في بروكسل، إن «نحو 8% من صادراتنا تذهب مباشرة إلى الولايات المتحدة»، مضيفاً: «نحتاج إلى معرفة كيف سيتم تطبيق أي تغيير في السياسة، لكن أي شيء يؤثر في قطاعي الطاقة أو السيارات، أو يتعلق بالأدوات الصناعية والصلب والألمنيوم سيكون مصدر قلق». وأشار كاباليرو إلى أن منتجات المنطقة هي أيضاً جزء من سلاسل أكبر تضم شركات ألمانية وفرنسية وبريطانية كبيرة. وأوضح أنه «على الرغم من أن الولايات المتحدة هي رابع أكبر شريك تجاري لنا، فإننا لانزال نتحدث عن خسارة قد تصل إلى مليار يورو».
استجابة سريعة
وعقد رئيس إقليم الباسك إيمانول براداليس، اجتماعاً طارئاً، الأسبوع الماضي، لـ«مجموعة الدفاع الصناعي» في الإقليم، التي تتألف من شخصيات حكومية وغرف تجارية وقادة قطاعيين وتجاريين بارزين، لتنسيق تدابير الطوارئ لمواجهة الاضطرابات التجارية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.
وتم إنشاء فريق العمل السريع الاستجابة قبل عام، بهدف التخفيف من تأثير سياسات ترامب الجمركية على المنطقة، والتي وصفها براداليس بـ«تحدٍ لم يشهد له مثيلاً منذ عقود». وقد عقد الفريق اجتماعه الطارئ الرابع الأسبوع الماضي.
وقال براداليس: «لا يستطيع إقليم الباسك التحكم في المشهد الجيوسياسي العالمي، لكن يمكننا الاستجابة بسرعة لحماية صناعتنا»، مضيفاً: «الوقت الذي يستغرقه ردنا سيحدد حجم التأثير».
إن الاندفاع للاستعداد للأسوأ يؤكد خوف الإسبان من حجم الأسلحة الاقتصادية للبيت الأبيض. وحتى الآن، كانت التعرفات التجارية هي الأكثر استخداماً بين هذه الأسلحة. لكن ترامب استخدم أيضاً العقوبات لحرمان معارضيه من استخدام بطاقات الائتمان الأميركية، وقطع بعض الدول عن العملة الاحتياطية العالمية.
قلق البنوك
لا يمانع وزير الخزانة الأميركي أيضاً في استخدام الدولار كسلاح. ففي وقت سابق من هذا العام، قال إن العقوبات والقيود المفروضة على الوصول إلى الدولار الأميركي مكنت واشنطن من التأثير في سياسات الدول الأخرى «دون إطلاق رصاص». وهذا الأمر يثير قلق البنوك بشكل خاص، مثل «سانتاندر»، أكبر بنك إسباني، الذي وافق الشهر الماضي على الاستحواذ على شركة «ويبستر فاينانشال كوربوريشن» الأميركية، وهي بنك من الدرجة الثانية.
وقد ترفع هذه الصفقة البالغة قيمتها 12.2 مليار دولار «سانتاندر» إلى قائمة أكبر 10 بنوك تجارية وتجزئة أميركية. وعلى أقل تقدير، فإن انهيار العلاقات التجارية بين مدريد وواشنطن قد يجعل من الصعب الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.
في غضون ذلك، سعت رئيسة مجلس إدارة «سانتاندر»، آنا بوتين، إلى طمأنة المساهمين، لافتة إلى أهمية «التركيز على المدى المتوسط». وعلى الرغم من اعترافها بأن الوضع الحالي «استثنائي»، فإنها قللت من أهمية الصدام، مؤكدة: «التجارة مستمرة وقوية للغاية».
وقالت بوتين، في إشارة إلى الدعم المالي الذي قدمته إسبانيا لجورج واشنطن في حرب الاستقلال الأميركية، التي يصادف هذا العام الذكرى الـ250 لها: «تتمتع إسبانيا والولايات المتحدة بعلاقة رائعة منذ قرون»، مضيفة: «العلاقة طويلة الأمد قوية».
قطع العلاقات
وبالطبع، من الممكن تماماً ألا يتحقق وعد ترامب بقطع العلاقات مع إسبانيا. ووفقاً لتقاليد السوق، عندما يتجاوز خطر الأضرار الاقتصادية الذاتية الخطاب السياسي، يتراجع ترامب دائماً.
ولم يتم تنفيذ أي من التعرفات الجمركية المرتفعة التي هدد بفرضها على السويد والنرويج وألمانيا وفنلندا وفرنسا والمملكة المتحدة وهولندا، لمشاركتها في تدريبات عسكرية في جزيرة غرينلاند.
كما لم يتم فرض التعرفة الجمركية بنسبة 200% على منتجات فرنسية، والتي أكد ترامب فرضها على باريس بعد أن رفض الرئيس الفرنسي ماكرون الانضمام إلى مجلس السلام لإعادة إعمار غزة. ولاتزال مدريد تنتظر سماع أخبار عن التعرفات الجمركية المرتفعة التي وعد الرئيس الأميركي باستخدامها، لمعاقبة سانشيز على رفضه تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا للإنفاق العسكري.
وأكد سانشيز أخيراً أن إسبانيا ستواصل معارضة الحرب في الشرق الأوسط، بغض النظر عن تهديدات ترامب. عن «بوليتيكو»
سياسة ناجحة
قال أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في الجامعة الأوروبية في مدريد، خوسيه مانويل كوراليس، إن «موقف رئيس الوزراء الإسباني (بيدرو سانشيز) ذكي، لأن الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) يميل إلى التراجع عندما ترد الدول على واشنطن بالبقاء حازمة».
وأضاف كوراليس: «لقد نجح الأمر مع كندا والمكسيك، وبالطبع مع الصين»، موضحاً: «من الناحية السياسية، فإنه ينجح بالتأكيد مع الحكومة الإسبانية التي تحظى الآن بالترحيب لوقوفها في وجه ترامب، ورفضها القاطع للحرب».
وأكد أنه بغض النظر عما إذا كانت واشنطن ستقطع علاقاتها التجارية مع مدريد، فإن الاقتصاد الإسباني يتأثر بالفعل بعدم الاستقرار الناجم عن حرب أميركا على إيران. وقال كوراليس إن الاقتصاد الإسباني المزدهر الذي نما بنسبة 2.8% في عام 2025، ومن المتوقع أن ينمو بأكثر من 2% هذا العام، قد يتضرر من ارتفاع التضخم إذا طال أمد الحرب.
وتابع: «الحقيقة هي أننا قد نواجه أزمة ذات تداعيات كبيرة. هذه الحرب الأخيرة ستكون لها بالفعل عواقب على الاقتصاد الأميركي، لكن إدارة ترامب ستضطر أيضاً إلى دفع ثمن الأضرار التي ألحقتها بالاقتصاد العالمي عاجلاً أو آجلاً».
• %15 من النفط الذي استوردته إسبانيا في 2025 جاء من أميركا، التي وفّرت أيضاً 44% من واردات البلاد من الغاز في يناير الماضي وحده.
• ترامب ووزير خزانته هدّدا بقطع جميع العلاقات التجارية مع رابع أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، كرد انتقامي على موقف إسبانيا من الحرب.