أميركا ستعتمد على القدرات العسكرية نفسها المتاحة حالياً في حال نشوب صراع كبير بمناطق أخرى من العالم. أ.ف.ب

حرب أميركا وإيران.. بين حسابات القوة ومخاطر الاستنزاف

يبدو أن احتمال اتساع نطاق الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط. ويرى بعض المؤيدين لفكرة المواجهة، أن مثل هذه الحرب قد تفضي إلى إضعاف إيران وتعزيز مكانة الولايات المتحدة، ومع ذلك فربما ستؤدي النتائج الاستراتيجية الأكبر للحرب في نهاية المطاف إلى إضعاف القوة الأميركية بدلاً من تقويض قدرات الخصم على المدى البعيد، كما قد يؤدي هذا الصراع إلى خلق حالة من عدم الاستقرار المتزايد وفرض مقايضات استراتيجية معقدة يمكن أن تنعكس سلباً على أميركا.

ومن أبرز المخاوف التي تواجه الولايات المتحدة الضغوط المتزايدة التي يفرضها مثل هذا الصراع على مواردها العسكرية وتركيزها الاستراتيجي، ففي السنوات الأخيرة ركزت الاستراتيجية الأمنية القومية لواشنطن بشكل متزايد على التنافس بين القوى الكبرى، لاسيما مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلا أن الانخراط في مواجهة طويلة الأمد مع إيران قد يدفع الولايات المتحدة إلى العودة مرة أخرى إلى التزامات عسكرية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، وهو الاتجاه الذي حاول صانعو القرار الأميركيون تقليصه خلال العقد الماضي.

الموارد العسكرية

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً بالنظر إلى الموارد العسكرية المتاحة حالياً، فأنظمة الدفاع الجوي والذخائر الذكية والدقيقة المستخدمة في حرب إيران هي نفسها القدرات العسكرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في حال نشوب صراع كبير في مناطق أخرى من العالم، وبالتالي يمكن لأي حرب محدودة النطاق أن تستنزف كميات كبيرة من هذه الأسلحة المتطورة وتحوّل الاهتمام بعيداً عن الأولويات الاستراتيجية الأوسع.

وإذا ما توسع الصراع بشكل غير محسوب أو طال أمده، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مجدداً متورطة في إدارة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط على حساب أهدافها الجيوسياسية في مناطق أخرى.

تداعيات اقتصادية

إلى جانب التحديات العسكرية تبرز أيضاً تداعيات اقتصادية كبيرة، فوفقاً لتقديرات «نموذج بن وارتون» الاقتصادي الصادر عن جامعة بنسلفانيا، وهو مبادرة تحليلية غير حزبية تهدف إلى تقييم الآثار المالية والاقتصادية للسياسات الحكومية، فإن الضربات العسكرية ضد إيران قد تكلف الاقتصاد الأميركي ما لا يقل عن 10 مليارات دولار، وذلك اعتماداً على قوة الصراع ومدته الزمنية. ويأتي هذا في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة بالفعل عجزاً كبيراً في ميزانيتها الفيدرالية، فضلاً عن ارتفاع مدفوعات فوائد الدين العام الذي يقترب من مستوى 39 تريليون دولار.

الاقتصاد الصيني

من جهتها، برزت الصين بوصفها لاعباً اقتصادياً مهماً في الشرق الأوسط، حيث أقامت علاقات تجارية واستثمارية وثيقة مع العديد من دول الشرق الأوسط. ومع تصاعد التوترات شددت بكين على أهمية الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد مع التركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري. وفي وقت تسعى حكومات المنطقة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وضمان استمرارية التنمية، قد يسهم هذا النهج في تعزيز المكانة الدبلوماسية للصين.

ومع ذلك لا يعني ذلك أن الصين ستستفيد اقتصادياً من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، فعلى العكس تُعد بكين من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، ولذلك فإن أي اضطرابات في إمدادات النفط أو ارتفاع كبير في الأسعار نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني، غير أن استمرار الانخراط العسكري الأميركي لفترة طويلة في المنطقة قد يخلق في المقابل مساحة استراتيجية تسمح لقوى دولية أخرى بتوسيع نفوذها الدبلوماسي.

فرص

من ناحية أخرى، فإن الصراعات التي تنخرط فيها قوى عسكرية كبرى غالباً ما توفر فرصاً للدول الأخرى لمراقبة مجريات الحرب واستخلاص الدروس منها، فالعمليات العسكرية الواقعية تكشف عن معلومات مهمة تتعلق بالتكتيكات العسكرية والتقنيات الحديثة والأنظمة اللوجستية المستخدمة في القتال. وبالنسبة للدول التي تسعى إلى دراسة تطور الحروب الحديثة، فإن مراقبة كيفية استخدام أنظمة الأسلحة المتقدمة في النزاعات الفعلية توفر رؤى لا يمكن الحصول عليها من خلال التدريبات العسكرية وحدها.

التحدي الأساسي

وبالنسبة للولايات المتحدة يتمثل التحدي الأساسي في ضمان ألا تؤدي الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار إلى خلق مخاطر جديدة غير مقصودة يصعب السيطرة عليها في المستقبل.

وتشير دروس التاريخ إلى أن الحروب غالباً ما تنتج عنها نتائج تتجاوز بكثير الأهداف الأولية التي اندلعت من أجلها، فإذا أدى الصراع مع إيران إلى حالة طويلة الأمد من عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار الطاقة، وإعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية، فقد يكون الأثر النهائي لذلك هو إضعاف النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بدلاً من تعزيزه.  عن «أيجا تايمز»

• الضربات العسكرية ضد إيران قد تكلف الاقتصاد الأميركي ما لا يقل عن 10 مليارات دولار، اعتماداً على قوة الصراع ومدته.

الأكثر مشاركة