«هل تستطيع أوروبا البقاء».. يقدم معالجة سريعة لأهم التحديات أمام القارة العجوز

تحول مصير أوروبا أخيراً إلى ما يشبه الاختبار النفسي. وتمثل القارة بالنسبة لإدارة ترامب وحلفائها، معقلاً للانحلال الليبرالي في حالة انحدار حتمي، إذ حذرت استراتيجية الأمن القومي الأخيرة للبيت الأبيض من «محو الحضارة» في أوروبا، ودعت ضمنياً إلى حل الاتحاد الأوروبي، وظهور المزيد من الأحزاب الشعبوية والدول الأعضاء القومية.

لكن، يرى كثير من الأميركيين أن بروكسل تمثل الأمل الأخير للعالم في قيادة عالمية ثابتة وقائمة على القواعد، ويشجع كثيرون مسعاها لتعزيز قدراتها الدفاعية والاقتصادية، والتصدي لضغوط واشنطن.

وبالنسبة للعديد من الأوروبيين، يخيم جو من التشاؤم على كل هذا. وينظرون بحسد إلى الولايات المتحدة ومعدلات نموها الاقتصادي المرتفعة وشركاتها التكنولوجية الرائدة عالمياً، ويتذمرون من بطء وتيرة الإصلاح في الاتحاد الأوروبي.

وأجرى محرر الشؤون الأوروبية السابق في صحيفة «فايننشال تايمز»، ديفيد مارش، مقابلات مع عشرات المسؤولين السابقين، لصياغة سرد تاريخي متقن للحظات مفصلية في تاريخ أوروبا الحديث، وألف مارش كتاباً بعنوان «هل تستطيع أوروبا البقاء؟»، ضمن هذا النهج المتشكك بما في ذلك تطور العلاقات الألمانية الروسية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأزمة الديون الأوروبية.

ويرسم مارش صورة شاملة لأوروبا تعاني دوامة من الضغوط الداخلية والخارجية. ويحتوي الكتاب على بعض التقارير المفيدة، لاسيما حول أزمة الديون الأوروبية، لكنه يتجنب الإجابة عن سؤال «إلى أين تتجه أوروبا؟».

ويقدم معالجة سريعة لأهم التحديات التي تواجه أوروبا اليوم.

إن التركيز على علاقة ألمانيا المتقلبة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبطولات رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، ماريو دراغي، لإنقاذ اليورو، بأي ثمن وعلاقة بروكسل المتوترة مع المملكة المتحدة، أمور ذات أهمية تاريخية، لكنها تبدو أقل إلحاحاً في ظل مواجهة أوروبا لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتقلبة.

وإذا دققنا النظر، تبدو السنوات الخمس الماضية كأنها مسيرة تقدم أوروبية نحو مزيد من التماسك، وتعزيز الدفاع عن النفس، وتأكيد النفوذ الجيوسياسي. ويمكن بسهولة سرد قصة أوروبا وهي ترتقي لمستوى الأزمات المتعددة التي واجهتها منذ عام 2020، لتنتهي مراراً وتكراراً إلى وضع أفضل من حيث التكامل والوحدة مقارنةً بوضعها السابق.

وحفزت جائحة كورونا، أوروبا على اقتراض 800 مليار يورو (945 مليار دولار)، بشكل مشترك ضمن برنامجها «الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي»، في استعراض للقوة المالية، تجاوز الخط الفاصل بين تجميع الديون. وكان حل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» متقلباً بلا شك، لكنه أبقى على جوهر أكثر تكاملاً في قلب الاتحاد الأوروبي.

وسارعت أوروبا إلى مساعدة أوكرانيا بعد الحرب مع روسيا بطريقة فاجأت المراقبين الخارجيين، حيث فرضت بروكسل عقوبات شاملة على موسكو، وجمدت 210 مليارات يورو من أصول البنك المركزي الروسي.

ونجت أوروبا من انقطاع شبه كامل وغير متوقع للغاز الروسي، الذي كان يمثل 40% من الواردات، وقدمت 201 مليار يورو كمساعدات عسكرية ومالية لكييف، مقارنة بـ115 مليار يورو من الولايات المتحدة.

وشكلت إدارة ترامب الثانية، صدمة وجودية أخرى للقارة الأوروبية، إذ هددت بفرض تعريفات جمركية باهظة، بل وحتى بضم جزيرة غرينلاند، وقد اتخذت أوروبا مجدداً إجراءات حاسمة رداً على ذلك.

وأعلنت ألمانيا خطة للبنية التحتية والدفاع، قد تصل قيمتها إلى تريليون يورو، متخلية عن سياسة خفض الديون، وهي سابقة أخرى مقدسة لتعزيز النمو وقدراتها العسكرية. وأطلقت أوروبا بنجاح قروضاً ممولة بشكل مشترك بقيمة 150 مليار يورو للدول الأعضاء لتمويل مشتريات الدفاع كجزء من برنامجها «الاستعداد 2030». وفي وقت سابق من هذا الشهر، وافقت على قرض بقيمة 90 مليار يورو لدعم كييف في مواجهة الحرب حتى عامي 2026 و2027.

وذكر رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، ماريو دراغي، في تقريره لعام 2024، بشأن تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية والجيوسياسية لأوروبا، والجهود الحثيثة المصاحبة له، لإزالة الحواجز الداخلية وحماية مصالحها الاقتصادية، بدءاً من بوصلة التنافسية للاتحاد الأوروبي، مروراً بمبادرات الأمن الاقتصادي، وصولاً إلى التقدم المحرز في خطة اتحاد الادخار والاستثمار لتوحيد أسواق رأس المال الأوروبية المجزأة.

ويلتزم اليوم، جميع قادة أوروبا البارزين، سواء رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في بروكسل، أو الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أو المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، بتحقيق مزيد من التكامل وبناء أوروبا أكثر سيادة وقدرة.

ولا يعد المال هو المشكلة الرئيسة، فيما يتعلق بتطوير القدرات الدفاعية الأوروبية. ومنذ عام 2022، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بنسبة هائلة بلغت 50%، ومن المتوقع أن يؤدي هدف حلف شمال الأطلسي «الناتو» الجديد المتمثل في تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي لميزانيات الدفاع، نظرياً، إلى زيادة الإنفاق الأوروبي بمئات المليارات سنوياً بحلول عام 2035، إذا ما توافرت الإرادة السياسية اللازمة لزيادة الإنفاق.

وتكمن المشكلة في الطريقة التي تتبعها أوروبا في إعادة تسليح نفسها، فالإنفاق لايزال يتم بشكل غير منظم إلى حد كبير بين الدول المتنافسة، مع تقدم طفيف فقط في مجال المنصات المشتركة والتخطيط الذي من شأنه تحقيق وفورات الحجم. وعلاوة على ذلك، تشير التقديرات إلى أن 36% من عقود الدفاع الأوروبية منذ عام 2022 ذهبت إلى الأسلحة الأميركية.

وسيؤدي ذلك إلى فوائد إضافية تتمثل في تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية. وبحسب الخبراء الاقتصاديين، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي السنوي، من 2% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، قد ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تراوح بين 0.9 و1.5% سنوياً. كما أن كل زيادة بنسبة 1% في الإنفاق الدفاعي على الناتج المحلي الإجمالي، يمكن أن تزيد الإنتاجية على المدى الطويل بنسبة 0.25%. لكن هذا مشروط بأن تنفق أوروبا بشكل محلي ومتكامل، بدلاً من الإنفاق عبر برامج وطنية متداخلة ومشتتة.

وإذا لم تتحرك أوروبا سريعاً، فإنها لا تخاطر فقط بعقد آخر من النمو الاقتصادي المتواضع والتعرض لضغوط من جهات مثل واشنطن وبكين، بل تخاطر أيضاً بثورات شعبوية تُبطئ زخم التماسك، وربما تعكس مساره.

ويوجد حالياً في قلب أوروبا مجموعة من القادة الذين يبذلون جهوداً حثيثة نحو إصلاح التماسك وتعزيز السيادة الدفاعية. وبعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، والتي قد يفوز بها حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، والانتخابات الألمانية عام 2029 على أقصى تقدير، قد يصبح المشهد السياسي أقل ملاءمة بكثير.

ويبقى السؤال الذي يعد الأكثر تعقيداً هو: إلى أي مدى ينبغي لأوروبا أن تُقلل من المخاطر التي قد تواجهها في الولايات المتحدة ما بعد ترامب؟

ومن البدهي زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل متماسك، لكن هل ينبغي لأوروبا أن تقدم على مسعى طويل الأمد ومكلف لبناء أنظمة موازية للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفضائي، بدلاً من الاعتماد على واشنطن؟

وبصورة مماثلة، ما مدى واقعية التوجه نحو السيادة التكنولوجية وتطوير شركات أوروبية رائدة في مجالات مثل الحوسبة السحابية، حيث تتمتع الولايات المتحدة بميزة شبه مطلقة للأسف، ويترك مارش هذه الأسئلة المهمة دون طرح إجابة.

وفي نهاية المطاف، تبدو الفرصة سانحة أمام أوروبا، والسؤال ليس ما إذا كانت القارة قادرة على البقاء، بل ما إذا كان الأوروبيون قادرين على حشد الإرادة السياسية والسرعة اللازمة لاغتنام هذه الفرصة؟  عن «فورين بوليسي»

• إذا لم تتحرك أوروبا سريعاً، فإنها لا تخاطر بعقد آخر من النمو الاقتصادي المتواضع والتعرض لضغوط من جهات مثل واشنطن وبكين فحسب، بل تخاطر أيضاً بثورات شعبوية تُبطئ زخم التماسك، وربما تعكس مساره.

• يرى كثير من الأميركيين أن بروكسل تمثل الأمل الأخير للعالم في قيادة عالمية ثابتة وقائمة على القواعد، ويشجع الكثيرون مسعاها لتعزيز قدراتها الدفاعية والاقتصادية، والتصدي لضغوط واشنطن.

الأكثر مشاركة