كندا تدرس أسوأ السيناريوهات.. وتستعد عسكرياً لمواجهة التهديدات
تغير المزاج السياسي والشعبي في كندا بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، فقبل أيامٍ أعلنت رئيسة الأركان، الجنرال جيني كارينيان، أنها تبحث عن كنديين من سن 16 إلى 65 عاماً مستعدين لمساعدة بلدهم في حالة وقوع هجوم عسكري أو كارثة طبيعية مدمرة، وتقول كارينيان: «سنحتاج إلى مشغلين للمعدات الثقيلة، ومشغلين لطائرات دون طيار، وقد نحتاج أيضاً إلى متخصصين في الإنترنت».
لا توجد صلة مباشرة بين خطة الجنرال جيني كارينيان لتشكيل قوة دفاع مدنية قوامها 400 ألف فرد، وقيام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بإخراج رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، من مخبئه الآمن في العاصمة كاراكاس، في الثالث من يناير الجاري.
لكن التوقيت ليس مصادفة، ففي العام الماضي أكد ترامب مراراً أن من مصلحة كندا أن تصبح الولاية 51 للولايات المتحدة، ولا أحد في موقع مسؤولية يعتقد حقاً أن الولايات المتحدة ستغزو كندا، وحتى ترامب نفسه، عندما سُئل عمّا إذا كان سيستخدم القوة العسكرية لضم كندا، أجاب بـ«لا»، أو أن ذلك «مستبعد جداً».
لكن الجميع يتفق على أن العلاقة مع الولايات المتحدة قد تغيرت بشكل لا رجعة فيه، وقد تسبب في ذلك هجوم ترامب الخطابي والاقتصادي، ولم يكن أمام كندا خيار سوى محاولة أن تصبح دولة قادرة على التعامل مع التهديدات بشكل مستقل، سواء مع جارتها المضطربة أو من دونها، وتشعر كندا بالقلق في الغالب من تحركات روسيا والصين، والهجمات الإلكترونية، والاعتداءات على البنية التحتية، لكن غارة أميركا على كاراكاس، وما تلاها من حديث عن الاستحواذ على غرينلاند بالقوة إذا لزم الأمر، يعني أن العمل العسكري لم يعد أمراً مستبعداً بين البلدين اللذين عاشا في سلام منذ عام 1812، قبل استقلال كندا.
تقييم السيناريوهات
بدأت وزارة الدفاع الوطني في كندا مناقشة إنشاء قوة للدفاع المدني، في وقت أشار ترامب إلى أنه سيستخدم «القوة الاقتصادية» لإقناع الكنديين بالانضمام إلى الولايات المتحدة، ويقول كبير موظفي رئيس وزراء كندا، مارك كارني، والوزير السابق المسؤول عن السلامة العامة، ماركو مينديسينو: «في هذا السياق، من مسؤولية الحكومة تقييم جميع السيناريوهات والخيارات، بما في ذلك إنشاء قوة دفاع مدني طوعية يمكنها دعم القوات المسلحة الكندية».
وفي غضون ذلك، قامت وزارة الدفاع الوطني الكندية بوضع بعض هذه السيناريوهات، كما يتم الآن تحديث الخطط بانتظام، للتعامل مع تدفق المهاجرين الذين قد يرغبون في دخول كندا من الولايات المتحدة، وقد دفع تفضيل ترامب لإرسال قوات إلى الولايات التي يديرها الديمقراطيون، مع استخدام وزارة العدل لمقاضاة خصومه السياسيين، كندا، إلى الاستعداد لحدوث صراع أهلي في الجوار.
كما وضع مخططو العمليات الحربية سيناريوهات يهاجم فيها عدو مثل روسيا أو الصين، البنية التحتية الكندية، أو يقطع مصادر الطاقة أو المياه من أجل شل حركة القوات العسكرية الأميركية، بينما يهاجم أحد هؤلاء الأعداء دول البلطيق أو تايوان، وتقول الجنرال كارينيان إن كندا تتصدى باستمرار للهجمات الإلكترونية، وتضيف بطمأنينة «نحن نستعد دائماً لأسوأ السيناريوهات».
لكن المسؤولين ليسوا حريصين على مناقشة كل هذه الأمور، ومن المنطقي تماماً أنهم لا يريدون إعطاء خصومهم المحتملين أي تلميحات عن استعدادات كندا أو نقاط ضعفها، ولكنهم أيضاً منشغلون بمحاولة عدم استفزاز ترامب، وقلة منهم فقط على استعداد لإجراء مقابلات مسجلة، لكن الحقيقة هي أن أسوأ السيناريوهات، مهما كانت احتمالات حدوثها ضئيلة، تشمل الآن غزواً من قبل أميركا.
وتقول الجنرال كارينيان إن خطة حشد قوة دفاع مدني يجب أن ترضي الولايات المتحدة، فهي تلبي مطلب ترامب بأن يتولى حلفاء أميركا المزيد من مسؤولية دفاعهم عن أنفسهم، وأن يعتمدوا بدرجة أقل على الولايات المتحدة في حالة وقوع هجوم أو كارثة طبيعية، وفي نوفمبر 2025 أرسلت فريقاً إلى فنلندا لدراسة نظام الدفاع المدني الشامل الذي طورته هلسنكي على مدى عقود من التهديدات من جارتها روسيا.
مدنيون مُدَرَّبون
بموجب مفهومهم الشامل للأمن، يُتوقع من الفنلنديين تخزين ما يكفي من الطعام والماء والإمدادات الطبية لمدة 72 ساعة، ويتم الاحتفاظ بقوائم بالمدنيين المدربين على الإسعافات الأولية والإنقاذ ومكافحة الحرائق، والذين سيقودون الآخرين إلى ملاجئ مخصصة من القنابل منتشرة في جميع أنحاء البلاد، وهذه الملاجئ كبيرة بما يكفي لاستيعاب 85% من الفنلنديين، وهي ليست مخابئ مملة تشبه ما بعد نهاية العالم، فهي تشمل ملاعب تحت الأرض، وحمامات «ساونا».
أُعجب الكنديون بذلك، ويقول أحد المسؤولين: «لديهم مخابئ في كل مكان، ويجعلونها أماكن عادية، بعضها يحتوي على حمامات سباحة»، ولكن لوحظ أيضاً أن كندا أكبر من فنلندا بـ30 مرة، مع مساحات شاسعة من الأراضي ذات الكثافة السكانية المنخفضة، حيث يكاد يكون من المستحيل الدفاع عن السيادة من دون مساعدة أميركا.
يريد كبير موظفي رئيس وزراء كندا تغيير ذلك، وهو يعد بإنفاق 59 مليار دولار أميركي على مدى السنوات الخمس المقبلة، حتى تصبح كندا في طريقها لتخصيص 5% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع بحلول عام 2035، وسيُنفق معظم هذا المبلغ في شمال كندا، فالغواصات الروسية وسفن «البحث» الصينية تغزو بشكل متزايد المياه القطبية الكندية، وتقول كارينيان: «هناك تهديد قادم من الشمال، ولا يمكننا أن نكون مجرد عبء».
تعزيز الدفاع
تضم القوات المسلحة الكندية 67 ألف فرد يعملون بدوام كامل، و27 ألف فرد احتياطي، وقد انضموا جميعاً طواعية، وإضافة إلى الدفاع عن ثاني أكبر بلد مساحة على وجه الأرض، فإنهم يعملون إلى أقصى حدودهم في عمليات بعيدة المدى، ففي لاتفيا يعززون دفاع دول البلطيق، بينما تعمل مهمة بحرية على إبقاء مضيق تايوان مفتوحاً أمام الملاحة الدولية.
تنتشر هذه القوات المسلحة على مساحة تبلغ نحو 10 ملايين كيلومتر مربع في كندا، وربما يكون تغير المناخ قد تراجع في قائمة أولويات البلاد، لكن الأضرار الناجمة عن الطقس المتزايد الخطورة لم تختف، ويتم استدعاء القوات بانتظام لمساعدة الأشخاص المتضررين من الفيضانات وحرائق الغابات، وعندما اجتاح فيروس «كورونا» دور رعاية المسنين التي تعاني نقصاً حاداً في الموظفين في مقاطعتي «أونتاريو» و«كيبك» في عام 2020، تم إرسال الجيش لرعايتهم، ويمكن أن تساعد قوة الدفاع المدني الجديدة في مثل هذه الحالات الطارئة، ما يتيح للجيش التركيز على الدفاع الفعلي عن الوطن. عن «الإيكونوميست»
الكنديون بدأوا يستيقظون
قد يستيقظ الكنديون من حالة السبات التي استمتعوا بها منذ أن انخفضت نفقات الدفاع، للمرة الأولى، إلى أقل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أكثر من ثلاثة عقود، ولم يبدُ أن اعتماد كندا على الولايات المتحدة في معظم دفاعها الإقليمي يزعج أي شخص، ويلاحظ فيليب لاغاسي، الذي يدرس الدفاع في جامعة كارلتون في أوتاوا، أن كندا لم تواجه أبداً تهديدات مثل تلك التي تواجهها اليوم، ويقول: «من الصعب على العقل الكندي أن يستوعب الواقع الجديد».
يبدو أن الكنديين بدأوا يستيقظون، ويرجع ذلك على الأرجح إلى طموحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
وتقول رئيسة الأركان، الجنرال جيني كارينيان، إنها تشهد إقبالاً مستمراً من قبل كنديين مستعدين للخدمة، وقبل عيد الميلاد ناشدها أحد كبار السن أن تزوده بمهمة، على الرغم من سنه، وقال لها: «اسمعي، لا أستطيع حمل بندقية والذهاب إلى الحرب، لكن يمكنني المساعدة، أخبريني كيف يمكنني فعل ذلك».
• القوات المسلحة الكندية تضم 67 ألف فرد يعملون بدوام كامل، و27 ألف فرد احتياطي.