قرار المحكمة الدولية لم يعجب أنصار الحريري

انتظر لبنان 15 عاماً، من أجل إجابة سؤال ساخن، مفاده: من قتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري؟ لكن عندما أصدرت المحكمة الخاصة المدعومة من الأمم المتحدة قرارها، يوم الثلاثاء الماضي، في لاهاي، مدينة أحد كبار المسؤولين في «حزب الله»، قابلها العديد من المسؤولين في لبنان بتقديم استقالاتهم.

وقالت المحكمة الخاصة في لبنان إن رجل «حزب الله»، سليم عياش، هو الذي دبر الانفجار الذي أدى إلى مقتل الحريري عام 2005، حيث تمت إدانته غيابياً. لكنها برأت ثلاثة أشخاص آخرين، وأكدت أنه لا يوجد ما يكفي من الأدلة، التي تؤكد تورط زعيم «حزب الله»، أو الحكومة السورية في الجريمة.

حالة ترنح

وبالنسبة للبنانيين، المنقسمين إلى فئات عرقية ودينية وسياسية، ولايزالون في حالة ترنح جراء الانفجار المرعب، الذي قتل نحو 180 شخصاً، في بيروت هذا الشهر، فإن قرار المحكمة الخاصة احتوى على ما يكفي من الغموض لجميع الأطراف، كي يبقى الأمر على ما هو عليه.

وفي إحدى ضواحي بيروت ذات الأغلبية السنية، وتدعى «طريق الجديدة»، والتي نشأت فيها حركة المستقبل، التي قادها رئيس الحكومة السابق، سعد الحريري، وحظيت بدعم شعبي كبير، كان هناك دعوة لتجمع أنصار الحريري في انتظار صدور القرار. لكن قلة من الأشخاص ظهروا، وبدت خيبة الأمل على الجميع، وقال اللبناني محمود آسي، مبدياً استغرابه: «شخص واحد ارتكب هذه الجريمة وحده؟ ما هذا الرجل هل هو غرندايزر؟»، مشيراً إلى شخصية كرتونية شهيرة لمسلسل ياباني، حيث تستطيع هذه الشخصية القيام بكل ما تريد من أعمال، مهما كانت خيالية. وأضاف: «الشيء الوحيد الذي عرفناه أن الرجل يعيش علاقة حب»، مشيراً إلى مئات الرسائل التي تبادلها عياش مع صديقاته.

وكان الجيش قد انتشر في المدينة، قبيل ظهور قرار المحكمة، وسط قلق من أن احتمال إدانة أعضاء من «حزب الله» يمكن أن يشعل توترات طائفية. لكن لم يحدث شيء من ذلك. وكان بعض الرجال، الذين تجمعوا في المكان، يشكون الوضع المالي الرهيب الذي يعيشه لبنان. وفقدت العملة اللبنانية 80% من قيمتها، في الأشهر الأخيرة، وارتفعت أسعار المواد الغذائية على نحو غير مسبوق، وأصبح التيار الكهربائي عملة نادرة.

وقال اللبناني وليد دانا: «من أمر بتنفيذ العملية؟ من المستحيل أن يكون عياش وحده»، مشيراً إلى أنه يعتقد أنه «حزب الله». وأضاف: «عياش مجرد جندي، نحن نريد الأشخاص الذين أعطوا أمر التنفيذ»، وكان الأشخاص الأربعة المتهمون يحاكمون غيابياً، بمن فيهم عياش نفسه، إذ إنه غير معروفة أماكن وجودهم. ويبدو أنه من غير المحتمل القيام بأي اعتقالات، إثر صدور القرار.

وقال سعد الحريري، ابن رفيق الحريري رئيس الحكومة السابق، إنه يقبل قرار المحكمة، لكن يريد أن يوجه «رسالة لأولئك الذين ارتكبوا تلك الجريمة الإرهابية ومن يقف خلفهم»، مضيفاً: «عصر اللجوء إلى الجريمة والقتل في السياسة دون عقاب، ودون دفع الثمن قد انتهى الآن»، ويواجه «حزب الله»، أصلاً، تحديات هائلة، بما فيها العقوبات الأميركية، والأزمة المالية في لبنان، وحركة الاحتجاجات التي تستهدف الحزب، إضافة إلى الطبقة السياسية في الدولة.

صور المشانق

وفي أعقاب انفجار 4 أغسطس، الذي قتل نحو 180 شخصاً، ودمر مناطق من مدينة بيروت، اندفع المتظاهرون إلى الشوارع، مستخدمين الحبال التي صنعوا منها مشانق، علقوا عليها صور القادة السياسيين، بمن فيهم قائد «حزب الله» حسن نصر الله، وهي الصورة التي لم يكن أحد يتخيل رؤيتها في العام الماضي.

وكان أنصار «حزب الله» ينظرون إلى المحكمة الخاصة من أجل لبنان، باعتبارها غير شرعية، وهي مؤامرة أجنبية ضد «حزب الله». وقال نصرالله، في عام 2010، بعد وقت قصير من تشكل المحكمة الخاصة: «أدعو كل مسؤول، وكل مواطن لبناني إلى مقاطعة هؤلاء المحققين، وعدم التعاون معهم»، وقال الأسبوع الماضي، خلال انتظار لبنان قرار المحكمة الذي تم تأجيله نتيجة الانفجار: «إذا تم حبس إخوتنا ظلماً، كما نتوقع، فإننا سنحتفظ ببراءتهم».

ويبدو أن أنصار نصرالله كانوا يحذون حذوه، ففي شارع مزدحم مليء برايات «حزب الله»، سارع شخص، قال إن اسمه حسين فقط، إلى رفض قرار المحكمة، باعتباره مؤامرة من دول أجنبية، تهدف إلى وضع إسفين داخل لبنان، وإضعاف «حزب الله». وقال حسين، وهو في متجره الذي تحطمت نوافذه، نتيجة الانفجار الذي وقع قبل نحو أسبوعين بالمدينة، ودمر أجزاء كبيرة منها: «إنهم يركزون على (حزب الله)، من أجل إيجاد شرق أوسط جديد. وقاموا بقتل قائد مهم مثل رفيق الحريري، كي يثيروا الاضطرابات بين الناس»، وكالعديد من أنصار «حزب الله»، كان حسين يرى قرار المحكمة باعتباره برهاناً على أن «حزب الله» غير متورط في مقتل الحريري. لكنه قال: حتى لو أن المحكمة الخاصة من أجل لبنان قررت أن «حزب الله» كان المتورط، فإن ذلك لن يؤدي إلى تغيير موقفه الداعم له.

وألقى كثيرون بمسؤولية انفجار مرفأ بيروت على «حزب الله»، إذ توجد نظريات متعددة بشأن ذلك، لكن دون برهان، بخلاف الدور السياسي والعسكري الذي يلعبه الحزب في لبنان. ودعا آخرون إلى تحقيق دولي، إذ إنهم لا يثقون بتحقيقات الحكومة.

ورفض الحزب الادعاءات بتورطه، وإن بات جلياً، الآن، أن بعض القادة اللبنانيين على الأقل عرفوا بوجود نحو 3000 طن من مادة نترات الأمونيوم الشديدة الانفجار، مخزنة في مرفأ بيروت المدني، ولم يحدث أي شيء حول ذلك.

وعلى الرغم من حدوث جرائم القتل في لبنان بصورة منتظمة، فإن مقتل الحريري كان الأكثر أهمية في لبنان. ولسنوات عدة تلت وقوع الجريمة، تم تعليق صور ضخمة للرئيس الحريري السابق على جدران عامة في شتى أنحاء بيروت. وبعد مقتل الحريري، تجمع مئات الآلاف من الأشخاص في وسط بيروت، في احتجاجات أطلق عليها «ثورة الأرز»، والتي أدت في النهاية إلى خروج الجيش السوري من لبنان. وكانت هذه الثورة أضخم اضطراب سياسي، منذ نهاية الحرب الاهلية عام 1990.

لكن بعد مرور 15 عاماً على مقتل الحريري، لم تعد صور الحريري موجودة في شوارع بيروت. وفي أحد المقاهي، حيث لاتزال صور الحريري وابنه سعد معلقة، قال أنصاره إنهم يريدون العدالة، لكنهم كانوا قلقين من تدهور الوضع الاقتصادي.

وقال أسامة عبدالكريم، الذي يعمل سائقاً، ويكافح بشدة مثل الكثيرين لسد حاجات عائلته، جراء أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد منذ عقود: «رفيق الحريري مات قبل 15 عاماً، ولا نريد القتال مرة ثانية، بل نريد أن نعيش»، وكان هناك إحساس بالهزيمة لدى كل من تحدثوا عن العدالة للحريري، أو الانتقام لأنهم لا يستطيعون فعل أي شيء ضد «حزب الله» المنظم والمسلح جيداً. وقال عبدالكريم: «نحن لا نستطيع فعل أي شيء، لأن (حزب الله) أخذ الدولة، ويمتلك السلاح».

ريببيكا كولارد كاتبة وصحافية بريطانية تعمل في الشرق الأوسط

بعد مرور 15 عاماً على مقتل الحريري، لم تعد صور الحريري موجودة في شوارع بيروت. وفي أحد المقاهي، لاتزال صور الحريري وابنه سعد معلقة، حيث قال أنصاره إنهم يريدون العدالة، لكنهم كانوا قلقين من تدهور الوضع الاقتصادي.

بالنسبة للبنانيين، المنقسمين إلى فئات عرقية ودينية وسياسية، ولايزالون في حالة ترنح، جراء الانفجار المرعب، الذي قتل نحو 180 شخصاً في بيروت هذا الشهر، فإن قرار المحكمة الخاصة احتوى على ما يكفي من الغموض لجميع الأطراف، كي يبقى الأمر على ما هو عليه.

الأكثر مشاركة