حوار يصنع مناعة

الحوار مع المراهق يمكن أن يكون جسراً يقوّي العلاقة، أو فجوةً توسّع المسافة، فالفارق ليس في الكلمات وحدها، بل في النبرة، والتوقيت، وطريقة السؤال.

حين نستمع قبل أن نحكم، ونفهم قبل أن نصحح، نمنحه شعوراً بالأمان يجعله أكثر استعداداً لتقبّل التوجيه.

أما حين يتحول الحديث إلى استجواب أو محاضرة، فإنه يبحث عن مساحة أخرى يُسمَع فيها، وقد لا تكون دائماً آمنة أو واعية.

واليوم، لم يعد الحوار مقتصراً على الجلسات العائلية، بل امتد إلى الرسائل السريعة والشاشات الصغيرة. الكلمة الرقمية قد تُفهم بغير مقصودها، وقد تجرح أكثر مما نتصور، لذلك تبقى القضايا الحساسة أولى بأن تُناقش وجهاً لوجه، حيث تحضر ملامح التعاطف، ونبرة الاحتواء، ودفء العلاقة، فالتربية لم تعد في غرفة الجلوس فقط، بل أصبحت أيضاً في شاشة الهواتف.

غير أن الأهم من حوارنا مع أبنائنا هو أن نُعلّمهم كيف يحاورون الآخرين. أن يختلفوا دون إساءة، ويسألوا قبل أن يحكموا، ويعبّروا عن آرائهم بثقة دون تجريح. هذه المهارات لا تُدرّس في محاضرة، بل تُكتسب بالمشاهدة والممارسة. وحين نحاور أبناءنا باحترام، فإننا نعلّمهم أن يحاوروا العالم بالاحترام.

ويمتد هذا الوعي إلى قدرتهم على التعامل مع ما يتلقونه يومياً من رسائل وأفكار عبر القنوات الرقمية والاجتماعية؛ فيتعلّمون كيف يميّزون بين ما يبنيهم وما يربكهم، بين ما ينسجم مع قيمهم وما يتعارض معها، وكيف يلجؤون إلى الأسرة أو الجهات المختصة عند مواجهة ما يمسّ سلامتهم أو انتماءهم أو مجتمعهم.. فالمناعة الفكرية لا تُفرض، بل تُبنى بالحوار والثقة.

وفي مجتمعنا الإماراتي، حيث تقوم العلاقات على «السنع»، وحسن التعامل، وضبط النفس، يصبح الحوار أداة لحفظ الثوابت لا لتهديدها، فالقيم التي تُشرح وتُناقش بوعي، تتحول إلى قناعات راسخة لا أوامر عابرة.

ليس المطلوب أن نكسب كل نقاش مع المراهق، بل أن نكسب ثقته ليبقى الباب مفتوحاً، فالحوار ليس وسيلة لتغييره سريعاً، بل طريقة لمرافقته حتى يثبت على قيمه بوعي، ويعبر هذه المرحلة بثبات.

وهكذا، حين نحاور أبناءنا.. نحميهم، ونمنحهم القدرة على أن يحاوروا العالم بثقة واتزان.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه

الأكثر مشاركة