الاستعداد للمراهقة.. مسؤولية مشتركة

بعد أن توقفنا عند معنى كلمة المراهقة، وتساءلنا إن كانت تعبّر حقاً عن هذه المرحلة أم أنها حُمّلت عبر الزمن بما لا تحتمل، يصبح من المهم الانتقال من النقاش حول المصطلح إلى السؤال الأعمق: كيف نستعد لهذه المرحلة؟ ومن يشارك في مسؤولية الاستعداد لها؟

الحقيقة أن المراهقة ليست مرحلة يمر بها الابن أو الابنة وحدهما، ولا عبئاً يقع على كاهل الأسرة فقط، بل هي مرحلة انتقالية تتطلب منظومة رعاية متكاملة، يشترك فيها الأب والأم، والمدرسة، والأسرة الممتدة، والمجتمع، إلى جانب عامل الصحة البدنية والنفسية.

في الأسرة، يبدأ الاستعداد الحقيقي من الأمان العاطفي المتراكم، فالأب والأم اللذان بنيا علاقة قائمة على الحوار والاحتواء والملاحظة الواعية قبل هذه المرحلة، يملكان أدوات أفضل للتعامل مع تغيراتها. هنا لا يكون الدور رقابياً أو تصحيحياً فقط، بل حضوراً واعياً يوازن بين الاحتواء ووضع الحدود، وبين القرب واحترام المساحة الشخصية.

وتأتي المدرسة شريكاً يومياً في حياة المراهق؛ فالمعلم والمشرف ليسا مجرد ناقلين للمعرفة أو ضابطي سلوك، بل هما جزء من شبكة الأمان، عبر الملاحظة، وفهم التغيرات، وخلق بيئة مدرسية داعمة، تحمي من العزلة أو الانجراف، وتعزز شعور الانتماء.

أما الأسرة الممتدة من أجداد وأقارب، فدور لا يُستهان به، فحين تُمارس الحكمة دون سخرية، والدعم دون مقارنة، تصبح مساحة أمان إضافية، تُخفف الضغط عن الأسرة الصغيرة، وتمنح المراهق شعوراً أوسع بالقبول.

ولا يكتمل هذا الاستعداد دون الاعتراف بأهمية عامل الصحة البدنية والنفسية، فالتغيرات الجسدية والهرمونية، وأنماط النوم، ومتغيرات الحالة النفسية، عناصر تؤثر في سلوك المراهق واستجاباته. واللجوء إلى الاختصاصي النفسي عند الحاجة ليس دليلاً على الفشل التربوي، بل جزء من رعاية متكاملة تحترم الإنسان في هذه المرحلة الحساسة.

وفي قلب كل ذلك، تظل اللغة التي نستخدمها حاسمة. حين نصف هذه المرحلة بأنها «أزمة»، نُربّي أنفسنا وأبناءنا على الخوف منها. وحين نعيد تعريفها كونها مرحلة نمو وتشكُّل، نغير طريقة استعدادنا لها، وتعاملنا مع أبنائنا خلالها.

إن الاستعداد للمراهقة ليس مهمة طرف واحد، بل مسؤولية مشتركة، تبدأ بالوعي، وتُبنى بالشراكة، وتنجح حين نضع الإنسان في قلبها. وحين تتكامل الأدوار، تتحول هذه المرحلة من مصدر قلق إلى فرصة لبناء إنسان أكثر اتزاناً، وأقدر على العبور إلى مرحلة النضج بثقة ووعي.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة