المراهقة أزمة.. أم مرحلة أُسيء فهمها؟

حين نذكر كلمة المراهقة تتبادر إلى الأذهان صور متباينة يغلب عليها القلق والتوجّس، وكأننا أمام مرحلة مُرهِقة للأبناء ولأسرهم على حد سواء. ويثير هذا التساؤل سؤالاً أعمق: هل تعكس كلمة «المراهقة»، فعلاً، حقيقة هذه المرحلة من حياة الإنسان، أم أن المصطلح نفسه أسهم في تحميلها ما ليس فيها؟

في اللغات الغربية يُستخدم مصطلح Adolescence للدلالة على مرحلة «النمو والاشتداد»، أي الانتقال الطبيعي من الطفولة إلى النضج، وهو توصيف محايد يركز على التحول والتشكل. أما في الخطاب العربي المعاصر، فقد شاع استخدام كلمة «المراهقة» بوصفها مرحلة صعبة أو مُقلقة، حتى باتت الكلمة في الوعي الجمعي مرتبطة بالتعب، والصدام، والاضطراب.

لغوياً، لا تحمل كلمة «المراهقة» في أصلها هذا المعنى السلبي؛ فهي مشتقة من «راهق» أي قارب واقترب، في إشارة إلى الاقتراب من البلوغ والنضج. غير أن الاستخدام الاجتماعي والإعلامي للمصطلح عبر السنوات أضفى عليه حمولة نفسية سلبية، انعكست على نظرتنا للأبناء، وعلى توقّعاتنا منهم، بل وعلى تعاملنا معهم قبل أن تبدأ المرحلة فعلياً.

واللغة، كما نعلم، ليست محايدة؛ فهي تصنع الصور الذهنية، وتشكّل ردود الأفعال. حين نُطلق على مرحلة ما وصفاً مشحوناً بالتحذير، فإننا نُهيّئ أنفسنا وأبناءنا لتوقّع الصراع، بدلاً من الاستعداد للفهم والاحتواء. وهنا لا تصبح المشكلة في المرحلة ذاتها، بل في الطريقة التي نقرؤها بها.

في حقيقتها، هذه المرحلة ليست خروجاً عن المسار، بل جزء طبيعي من دورة النمو الإنساني، تتسارع فيها التغيرات الجسدية، وتتشكّل فيها الهوية، ويبدأ فيها البحث عن الاستقلال والمعنى. وما يحتاجه الأبناء خلالها ليس الخوف المسبق، بل الأمان العاطفي، والملاحظة الواعية، والحوار الذي يوازن بين الاحتواء ووضع الحدود.

من هنا، تأتي هذه السلسلة للتوقف عند هذه المرحلة بعيداً عن الصور الجاهزة، ولإعادة النظر في مفاهيمها، وللتأكيد على أن ما نسميه «مراهقة» قد يكون في جوهره مرحلة نمو أُسيء فهمها. مرحلة تحتاج إلى وعي أعمق، لا إلى أحكام مسبقة، وإلى رعاية تسبق أي معالجة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة