5 دقائق

من وحي الإسراء والمعراج

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

معجزةُ الإسراء والمعراج لحبيب رب العالمين وخليله سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ليست كسائر المعجزات - على كثرتها وعظمتها - فهذه المعجزة ذاتُ دلالات كثيرة، لذاته الشريفة، ولأمته المرحومة، وللعالمين أجمعين.. ينبغي أن نقف عندها متأمّلين، حتى نزداد تعلقاً بالنبي الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون ذلكم التعلق فوزاً لنا في دنيانا وآخرتنا، لما يحمله من شرف التخلق بأخلاقه واتباع سنته، والفوز بمرافقته عليه الصلاة والسلام في الجنة.

أما دلالتها لذاته الشريفة، فمن ذلك إيناسُ الله تعالى له بعد الحزن الذي خلَّفه فقد عمه الحاني أبي طالب الناصر له بجاهه، والراعي له بنفقاته، والحادبِ عليه حناناً وعطفاً، وفقد زوجته خديجة - رضي الله عنها - التي واسته بنفسها ومالها، حتى سُمِّي ذلك العام عام الحزن، لفرط ما أصاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه الكرام، من الحزن والأسى، فكانت تلكم المعجزة تسليةً له، وجبراً لخاطره لتُسرِّي عنه ما أصابه، وهي من مسارعة الحق سبحانه لترضية نبيه عليه الصلاة والسلام.

وما فيها من عظيم التكريم الذي لقيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء السابقين، الذين التفُّوا حوله في بيت المقدس، وقدموه إماماً عليهم، وباركوا له الرسالة والنبوة.

وما فيها من خرق لناموس الكون في العروج إلى الملأ الأعلى بجسمه البشري، الذي كان قد مُلئ أنواراً ترتقي به إلى اختراق الأجواء، واجتياز طبقات السماء.

وما فيها من تبجيل الملائكة الكرام خَزَنة أبواب السماء، واستقباله من الأنبياء، عليه وعليهم الصلاة والسلام، سماءً بعد سماء.

وما فيها من ترقٍّ إلى سدرة المنتهى، ومناجاة العلي الأعلى كفاحاً من غير وَناء ولا عناء، ورأى فيهما من الآيات الكبرى ما لم يره أحد غيره.

وما فيها من كشفٍ لحُجُب الجنة والنار، ليرى فيهما ما أعده الله لأهلهما من هناء أو شقاء.

وما فيها من خِلعة التكليف بالصلاة التي تجعله وأمته في تمثُّل دائم لهذه الرحلة العلياء، وما في كل ذلك من تثبيت لفؤاده على دعوته ورسالته، مع شدة ما لقيه من الأذى من الأقربين والبعداء، وأن كل أذى هو هيِّن بالنظر إلى هذا الفضل والعطاء، وأن ذلكم الأذى ما هو إلا ثمن قليل لما لقيه من جزيل العطاء، وكريم الثناء، وشرف اللقاء بالعلي الأعلى سبحانه من غير حجاب ولا عناء.

وأما دلالتها لأمته فإنها قد شَرُفت في هذه المعجزة العظيمة بشرف نبيها المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الذي قدمته الأنبياء، فكان تقديماً لها على أممهم، وغدت شاهدةً للأنبياء بالبلاغ، وسابقةً الأمم في دخول الجنان، وكانت أكثر أهل الجنة عدداً مع أنها أقلُّها أعمالاً وأقصرها أعماراً، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمدٍ بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصفَ أهل الجنة».

وشرفت بالصلوات المفروضة التي تعرج بها عروجاً معنوياً لربها سبحانه في اليوم خمس مرات فروضاً، ومرات كثيرة نوافل، وهي تخاطب الحق سبحانه بـ{إياك نعبد وإياك نستعين} سبع عشرة مرة فرضاً، ومرات كثيرة نوافل، وتحيي جلال الله تعالى مرات كثيرة فرائض ونوافل «التحيات لله..»، وتحيي كذلك مرات كثيرةً رسول الله الذي شرفت بهذه العبادة العظيمة بسببه «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، وتترقَّى في مقامات العبودية بهذه الصلاة التي حُرمها كثير من البشر، وتتبتَّل إلى الحق سبحانه بهذا العروج الروحي الذي هو راحة للقلوب والأبدان، وباب موصل إلى درجات الجنان.

وشرفت أيضاً بأن كان إسلامها موصولاً بإسلام الأنبياء السابقين، وشعائرها موصولة بشعائرهم - على اختلاف في الكيف والقدر - وفضل كبير في الثواب والأجر، وعلمت أن نبيها الآخر في البعث هو الأول في الفضل، وأنه الشافع المشفَّع يوم الحشر.

وأما دلالتُها للعالمين فهي دلالةُ أخوة في العبودية لله رب العالمين، فاجتماع الأنبياء به في بيت المقدس هو اجتماع كلمة واجتماع توحيد، واجتماع رحمة للبشرية، فكل نبي يقول بلسان حاله لأمته: إن هذا الرسول موصلٌ لكم للرب جل شأنُه، وقد أسلمناه قيادتكم للسير بكم لمرضاة ربكم، وهو العهد الذي عهد به الله تعالى إليهم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، إلى غير ذلك من الدلالات التي تكثر فيها العبارات.

فالحمد لله على نعمة الاتباع، ونسأله الاستقامة حتى نلقاه ومرافقة نبينا في الجنة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة