5 دقائق

آداب الطريق في الإسلام

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ديننا الإسلامي الحنيف دين أخلاق كريمة وقِيم عليا، ومُثل فاضلة، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير قول الله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، قال: على دين عظيم، فسمى الدين كله خلقاً؛ لأن الأخلاق هي التي يعيش بها الإنسان مع ربه عابداً حامداً شاكراً، ومع نفسه راضياً قانعاً محِباً، ومع غيره في المجتمع متعاوناً محبوباً، وبذلك يسعد في دنياه بلذة الحياة وسعادتها، وفي الآخرة بالأجر العظيم، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، عندما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله، وحسن الخلق»، وورد عنه عليه الصلاة والسلام قوله: «أثقل شيء في الميزان الخُلُق الحسن».

فعلى المسلم أن يجعل الأخلاق الفاضلة نصب عينيه في كل أحواله، ولاسيما في الطرقات التي يحتاجها الناس أجمعون، والتي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإعطائها حقها، وبها يعرف نُبل المرء من شراسته.

فصاحب الخلق الحسن لا يستعمل مهارته في الطرقات لأذية الآخرين، فيزعج الساكنين المطمئنين في بيوتهم، وفيهم المريض والكبير والنائم والسارح في هدوئه وخيالاته، فإن هؤلاء الآمنين في بيوتهم يجدون من طائشي الطرقات العناء الشديد، لاسيما في هدوء الليل، وعليل نسيم الشتاء، حيث تصم آذانهم من التفحيط، والسرعة المفرطة، والأصوات الخارقة التي يتباهى بها من لا يبالون براحات الناس في بيوتهم ومساكنهم.

وصاحب الخلق الحسن يستشعر أن الساكنين في بيوتهم هم مثل آبائه وأمهاته وأولاده وإخوانه وأخواته، فكما يحب أن لا يُزعج هؤلاء بصوت شزر لمكانتهم عنده، فغيره كذلك، ولا يؤمن المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

وصاحب الخلق الحسن لا يؤذي من يشاركه الطريق، بل يعرف أن حق غيره في الطريق كحقه هو، على حد سواء.

وصاحب الخلق الحسن يعلم أن الوجه الحضاري للبلد هو الهدوء والسكينة، فيحافظ على هذا الوجه الحضاري الرائع في مدينتنا الراقية في كل أحواله.

وصاحب الخلق الحسن يعلم أن الطرق الراقية لم تأتِ سهلة، بل جاءت بعطاء كبير، وجهد أكبر، فالمحافظة عليها تعد من الوفاء للحكومة التي بذلت وما بخلت، ووفرت وما قصرت.

وصاحب الخلق الحسن يرى وهو يسير في هذه الشوارع الفارهة جودة وسعة وتنظيماً أنه أمين عليها، ومعين لشركائه فيها إن احتاجوا له، فيوسع لهم الطريق ولا يضايق أحداً، ويحترم النظم المرورية التي أعدت لصالحه، ويقدر الشرطة التي تحمي الجميع وتحافظ على النظام.

وصاحب الخلق الحسن يلتزم بتعليمات الإشارات الضوئية، والنُّصُب الجانبية، وغير ذلك من أجل حماية نفسه وحماية غيره.

وصاحب الخلق الحسن لا يستأثر بالمواقف المعدة لغيره من أصحاب الهمم، أو يضايق غيره في عدم الالتزام بحدود سيارته.. إلى غير ذلك من الأمور التي تقتضيها المصلحة العامة والخاصة بين الناس في الطرقات، فكل ذلك وغيره من أخلاق الإسلام التي يؤجر المرء عليها أجراً عظيماً، وإن هو فرط فيها واختار لنفسه الجانب السيئ من الأخلاق؛ فإنه يكون سيئ السمعة، وعرضة للعقوبات التعزيرية التي وضعها ولي الأمر لردع من لا يستقيم خلقه، وما نراه من مرونة في التعامل مع هؤلاء؛ فإن ذلك رحمة بهم لعلهم يرجعون ويرعوون ويصلحون إذا ما حاسبوا أنفسهم، كما قال لبيد:

ما عاتب الحرَّ الكريم كنفسه...والمرء يُصلحه الجليسُ الصالحُ

إلا أن هذه المرونة يراها المجتمع إضاعة لحقه، فما ذنب من يُزعجه ضجيج السيارات الرياضية أو السيارات المزودة، فيأرق من ليله، وتصم أذنه، ويذهب عنه صفوة وقته؛ ولا ريب أن المجتمع أحق بالرحمة من أولئك الطائشين.

وإن لم تكن المؤاخذة خياراً ناجحاً، فوسائل عرقلة هذا السلوك الطائش متاحة ومريحة للجميع، من تكثير المطبات في الشوارع التي تشهد السباق الطائش، أو تكثير الرادارات في كل كيلومتر، وعلى سرعة 30-40 في الأحياء التي تشهد مثل هذا الإزعاج، وفي ذلك مساهمة مجتمعية لصالح الطرقات، وتحقق مصلحة المجتمع، ورغبة الساكنين، وتهذيب الطائشين. وأخيراً أقول لهؤلاء الإخوة والأبناء: إن نبينا صلى الله عليه وسلم قد كان يدعو، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق، ومن سيئ الأخلاق»، فتعوذوا مما كان يتعوذ منه، حتى تتحلوا بأفضلها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»


صاحب الخلق الحسن  لا يستأثر بالمواقف المُعدّة لغيره من أصحاب الهمم، أو يضايق غيره في عدم الالتزام بحدود سيارته.

طباعة