كـل يــوم

التزام إنساني وأخلاقي.. إن لم يكن قانونياً!

سامي الريامي

كثيرون هم الذين لم يراعوا ظروف المستأجرين، ولم يلتفتوا إلى الظروف القاهرة التي مر بها الاقتصاد المحلي والعالمي، وأصروا على استيفاء المستحقات الإيجارية كاملة غير منقوصة لجميع الأشهر الماضية، بما فيها أشهر إيقاف كل الأنشطة التجارية، أثناء فترة انتشار فيروس كورونا!

بل كثيرون لم يراعوا المستأجرين حتى أثناء الإغلاق الكامل، رغم أن هذا الإغلاق هو أمر حكومي، وهو ظرف استثنائي قاهر، لا يمكن تجاهله، ومع ذلك تجاهلوه، وأصروا على عدم التساهل، وعدم التعاون مع أصحاب الأعمال المتوسطة، الذين تكبدوا خسائر كبيرة، واضطروا لدفع الإيجارات كاملة، رغم توقف نشاطهم لفترة طويلة!

مستثمر بسيط يستأجر عقاراً لغرض تجاري، منذ 10 سنوات، لم يتأخر يوماً عن سداد المستحقات الإيجارية، ضاعف عليه المالك الإيجار طوال هذه المدة، ومع ذلك كان ملتزماً بالسداد، لكنه تعثر قليلاً في الآونة الأخيرة، فحاله كحال معظم رواد الأعمال، أصحاب المشروعات المتوسطة، هم الأكثر تأثراً بتداعيات فيروس كورونا، وأنشطتهم توقفت بالكامل، وفقاً للتدابير الاحترازية، لم يعترض على ذلك بالطبع، لكنه طلب من المالك مراعاته، إما بتخفيض مبلغ الإيجار الضخم، مقارنة بالأوضاع الراهنة، أو بإعفائه من إيجار الفترة التي توقف فيها العمل بالكامل في منشأته الصغيرة، فجاءه الرد سريعاً، وفي رسالة موثقة: «لابد من دفع الرسوم الإيجارية كاملة غير منقوصة، فما حدث لا علاقة لي به كمالك عقار، ولا تنسى أن هذه (حقوق وعقود)»!

جميل جداً أن يتذكر هذا المالك الحقوق والعقود، لكن كان من الأولى أن يعرف أن الظروف القاهرة تلزم الإنسان إن لم يكن قانونياً، فإنسانياً وأخلاقياً على الأقل لمراعاة غيره، وتقدير الموقف الصعب الذي يمر به هذا المستأجر، وعليه أن يقدر أنه لم يتهرب، ولم يتأخر طوال 10 سنوات عن دفع مستحقاته كاملة في وقتها، ما يعني أن الوضع الحالي، وتراجع الأنشطة التجارية محلياً وعالمياً، بسبب وباء عالمي، لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين، هو أمر فوق طاقة هذا المستأجر البسيط، وغيره من أصحاب الأعمال المتوسطة والبسيطة!

قبل أن يتذكر هذا المالك حقوقه، عليه أن يراعي حقوق الناس أيضاً، فأين الحق في مطالبته للمستأجر بدفع إيجار الأشهر التي أغلقت فيها الحكومة النشاط التجاري، ألا يعلم أن الإغلاق يعني أن دخل ذلك المستأجر البسيط أصبح صفراً، فكيف يعتبر الإيجار في وقت الإغلاق حقاً من حقوقه الضائعة.. إنها بالفعل كلمة حق أريد بها باطل!

هذه الحادثة ما هي إلا نموذج، ولاشك في أنها تكررت مئات، إن لم أقل آلاف المرات، وبسبب تعنت هذا المالك، وغيره مئات من المتعنتين أيضاً، أغلقت أنشطة تجارية كثيرة، وخرج صغار المستثمرين من السوق، وبسببهم تشردت عائلات، وتأزمت أسر كثيرة، لأنهم لم يراعوا الله، وداسوا على ضمائرهم، ولم يتعاملوا بإنسانية مع المستأجرين البسطاء، أصروا على تطبيق ما جاء في العقود، وتجاهلوا ما حدث في الواقع، بسبب ظرف عالمي صعب، تراجعت بسببه كل الأنشطة التجارية، وكان من الأجدر بهم أن يأخذوا بيد هؤلاء المستثمرين الصغار حتى يقفوا على أرجلهم، ويعودوا إلى داخل الدورة الاقتصادية مرة أخرى، فيستعيد الاقتصاد عافيته.. ويستفيد الجميع!

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة