5 دقائق

الازدهار من ثمار الاستقرار

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

كل الناس في مختلف الأعصار والأمصار ينشدون الازدهار، ولكن لا يدركون أن مفتاحه وبانيه هو الاستقرار السياسي الذي يفتح أبواب الخير الكثيرة، ويبني المشاريع الوفيرة، ويحمي الجموع الغفيرة، وقد أشار القرآن الكريم لذلك إشارة واضحة لو أن الناس كانوا يعقلون، إذ يقول الحق سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾، فقد كان أمنها وطمأنينتها سبباً مباشراً لأن يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، كما أشار إلى نقيض ذلك في تمام الآية الكريمة: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وهذا منهج إلهي، عرَّفه الله تعالى عباده ليتخذوه سلوكاً لهم إن أرادوا الخير لأنفسهم، وكثير من الناس يعرفون هذا المنهج الحضاري الذي يجري بقانون السببية، إلا أن تعاطيهم معه ليس بمستوى هذه المعرفة في أكثر الدول والشعوب، لعدم توفيق الله لهم بأخذه، ثم ينسون ما فعلوا ويسوقون الملامة على الآخرين.

ودولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها الوفي الأبيّ ضربت المثل الأوفى في الاستفادة من هذا المنهج الرباني؛ فرسَّخت الاستقرار، ثم جنت الثمار الكبار، وليس فيها صغار.

حققت الاستقرار بالعدالة وبالسخاء وبالنظام وباحترام حقوق الإنسان، وبالوفاء مع الكل، وببذل اليد لكل محتاج، وبالوقوف مع القريب والبعيد عند الشدائد... وغير ذلك مما هو من مكارم الأخلاق وشيم الكبار، فأتاها الازدهار يجر ذيوله من كل مكان كأنه لا يعرف مكاناً غيرها.

أتاها الازدهار المعرفي، فحققت به نجاحات علمية رائدة وصلت بها إلى الفضاء ثم إلى المريخ، بسبق لا نظير له في عالمنا العربي وعوالم أخرى كثيرة، وهو السبق الذي سيمكّن لمعارف كثيرة، وسيعم نفعه العالم إن شاء الله تعالى، لأنها دولة عالمية، وليست محصورة في إقليمها ومحيطها، ونالت بهذه المعرفة نجاحاً نووياً ذرياً سلمياً لا مثيل له في محيطنا وعالمنا، يعتبر فتحاً اقتصادياً كبيراً، سيحقق نمواً اقتصادياً وصحياً واسعاً.

وحققت بالاستقرار حضارة غير مسبوقة عالمياً، وبنياناً لا نظير له في العالم؛ من بِنية تحتية راقية، وتخطيط حضاري عظيم، وبروج مشيدة شاهقة بالغة الدقة والرفاهية، وبيئة زراعية وحيوانية نادرة الوجود، فضلاً عن صناعة نموذجية مختلفة.

وحققت بالاستقرار اقتصاداً هائلاً يمكنها من التقدم المطرد، والثقة العالمية، وثبات العملة وقوتها الشرائية، فلا تتأثر بما يحصل من نكبات عالمية أو إقليمية، وهذه جائحة فيروس كورونا المستجد الذي أتى على اقتصاد الدول من القواعد، ودولة الإمارات شامخة لم يوهنها هذا الإعصار الاقتصادي الجارف، وما غيّر شيئاً من مشاريعها العملاقة وطموحها غير المحدود.

وحققت بالاستقرار الأمن المستتب الراسخ الذي جعل الناس بمختلف جنسياتهم ودياناتهم يعيشون في طمأنينة على أنفسهم وأموالهم، فيسعدون بالحياة ويُسعدون من حولهم.

وحققت بالاستقرار سيادة القانون والنظام، فلا يمكن أن يُخترق أو يتلاعب فيه، وهذا هو جوهر العدالة الاجتماعية التي لا تكاد توجد في كثير من البلاد.

وهذا غيض من فيض مما أثمره الاستقرار الذي رسّخته القيادة، حفظها الله ورعاها، وهو الذي ينشده الناس ولا يكادون يفعلونه، فهو بأيديهم إن أرادوه، ولكن تغلب عليهم الشِّقوة فيهلكون الحرث والنسل، ثم يندمون ولات ساعة مندم، وكل ذلك لبعدهم عن شرع الله تعالى الذي أوجب على الناس أن يعملوا من أجل الاستقرار والنماء، فحرم الظلم وسفك الدماء، وجرَّم البغي والخروج عن طاعة ولاة الأمر، وحرم الخيانة والغدر، وحرم الاستكبار في الأرض، وحرم غش الناس وخداعهم، وأوجب النصح لله ورسوله وولاة الأمر وعامة المسلمين وخاصتهم، ودعا إلى التعاطف والتآلف والتراحم.. فلما لم يكفوا عن المحظورات، وقصّروا في الواجبات فاتتهم المطلوبات التي ينشدونها من غير أن يأخذوا أسبابها، فكانت النتيجة؛ مؤاخذتهم بأفعالهم، كما هي سنة خالقهم سبحانه المشار إليها بقوله جل شأنه: ﴿كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

ولا ريب في هذا؛ فإن الله تعالى أجرى الكون كله على سنن لا تتبدل، وعلى الناس أن يأخذوا بسنن السعادة فيسعدون، أو سنن الشقاء فيشقون، وعليهم إذا ما اختاروا سنن الشقاء أن لا يلوموا إلا أنفسهم، فإن الله لا يظلمهم ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة