مقولات العظماء ومصيبتنا الأعظم!

وددت أن أعلمكم والحزن يلازمني أن قاضي المحكمة في مقالي السابق «كيف يتحول الإنسان إلى قاتل؟» قد أصيب بوعكة صحية طارئة، وعلى إثر ذلك فقد طلب مني أن أسلّيكم بمقال خفيف ولطيف إلى أن تتحسن صحته لاستكمال محاكمته الكونية.

يقول فولتير: «إن من لم يقرأ أي مقال لأحمد المظلوم فكأنه لم يقرأ أبداً».. هذه المقولة أخرجتها من جيبي الأيمن ولو كنت أتمنى أنها مقولة حقيقية، فإنه لشرف كبير لي خصوصاً أنها صادرة من فولتير نفسه! لكنها مثل كثير من المقولات التي تنسب للعظماء من الفلاسفة والعلماء والكتّاب، وهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولنضرب مثالاً حتى يتضح المعنى، انتشرت مقولة نسبت إلى القائد النازي أدولف هتلر يقول فيها: «إن من يلاحق أرنبين لا يمسك أياً منهما»، وقد صدقت ذلك لمدة، وعملت بتعاليم هذه المقولة كونها منطقية وتلامسني شخصياً، ثم حدث أن كنت أقرأ رواية الأخوة كارمازوف العظيمة للروائي الروسي دوستويفسكي التي صدرت عام 1880، أي قبل أن يولد هتلر بثمانية أعوام! ولكم أن تتخيلوا ماذا وجدت، نعم فقد وجدت المقولة نفسها مكتوبة كما هي في الرواية، وقد ذكر دوستويفسكي أنها من الأمثال الروسية الشعبية القديمة، أي أنها أقدم من دوستويفسكي نفسه.

ولو تقفينا أثر هذه المقولة الضاربة في جذور التاريخ لربما نجدها ترجع إلى العصور الفينيقية ولن نعلم حقاً من هو قائلها! وكما قال ونستون تشرشل: «تدور الكذبة حول العالم بينما لاتزال الحقيقة تبدل ملابسها»، ولست متأكداً من هذه المقولة كذلك. وفي خطأ آخر وقع فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكان ضحيته دوستويفسكي هذه المرة، وذلك أثناء إلقاء كلمته في افتتاح متحف اللوفر - أبوظبي في عام 2017، فقد استهل حديثه باقتباس عبارة: «الجمال سينقذ العالم» التي نسبها لدوستويفسكي، وبالفعل فقد ذكرها الروائي الروسي على لسان الأمير ميشكين بطل رواية الأبله، ولكن - وأضع خطاً تحت كلمة ولكن - فإن دوستويفسكي ذكر أن هذه المقولة ليست من بنات أفكاره بل نسبها إلى آخر، لابد أن أحدهم قد قام باجتزاء النص حتى يخيل لقارئه بأن دوستويفسكي هو قائله.

هناك أيضاً جانب سلبي آخر تسببه هذه المقولات، هو ميل الإنسان الفطري إلى تصديق وإسباغ صفة الشرعية على كل جملة تقع بين علامتي تنصيص! كانصياعنا الطبيعي لأوامر رجل الأمن وذلك فقط لأنه يلبس زياً رسمياً يؤكد أنه صاحب سلطة، فعلامة التنصيص أصبحت لها سلطتها الخاصة وتأثيرها على الإنسان بشكل لا يستهان به، فقد استخدمت مقولات العظماء هذه التي لا نعلم مدى صحتها ومن هو قائلها في الغالب بشكل غير محدود في إثبات وجهات نظر قد تكون مغلوطة وإنهاء جدالات، وفي تبني آراء ومعتقدات جديدة وذلك فقط لأنها تقع بين علامتي تنصيص!

وهناك من الناس من يجد في البحث عن مقولات مأثورة تؤيد حالته الخاصة نوعاً من الارتياح، كمن يحب نفسه إلى درجة النرجسية ثم يأخذ يسوّغ لنفسه أفعاله الأنانية بالبحث عن مقولات ما أنزل الله بها من سلطان، تتحدث عن أن حب الذات هو أهم ما في الوجود لكي يطبطب على نفسه قليلاً، ويخلق معنى لأفعاله، ولأن علامة التنصيص مهمة ولها جبروتها فإنني أهديكم هذه المقولة من جيبي الأيسر: «فلك كوني يدور وراءك».

هناك من الناس من يجد في البحث عن مقولات مأثورة تؤيد حالته الخاصة نوعاً من الارتياح، كمن يحب نفسه إلى درجة النرجسية ثم يأخذ يسوّغ لنفسه أفعاله الأنانية بالبحث عن مقولات.

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

الأكثر مشاركة