كل شيء افتراضي

يجلس في غرفته مستلقياً على ظهره يطالع السقف متأملاً شقوقه وصدوعه، شارد الذهن يفكر في مستقبله ويلعن ماضيه، ينبش في ذاكرته المحروقة مشيحاً بوجهه عن حاضره، فذلك لا يفكر فيه أساساً! وفي هذه اللحظات اليتيمة تحديداً من اليوم تنبجس من ذهنه كل هذه الأفكار والرؤى، ذلك بسبب أنه يكون وحده، فهو لا يملك إلا هذه الساعة من يومه حتى يكون وحده.. ولكن هل هو فعلاً وحده؟ كيف له أن يعلم بأن السقف الذي يحدق فيه ذا الشقوق المتصدعة قد يكون في عالم موازٍ آخر لا يسعه أن يراه؛ هو مجرى نهر فيروزي اللون تسبح فيه أطياف من الأسماك الملونة اللطيفة التي تبعث البهجة والسرور في النفس.. إذن هو في هذه الحالة يعيش في «اكواريوم!» أم يكون ذلك السقف نفسه في عالم موازٍ آخر عبارة عن ستة حبال مشنقة ضخمة جداً متدلية على سريره ملتفة حول جثث نتنة من الديناصورات المهرطقة. إذن لا يسعني إلا أن أقول إنه يعيش تحت منصة إعدام مخصصة لمحاكم التفتيش تعود لعصر الديناصورات! لا شك أنكم تضحكون الآن من الفكرة لكن دعوني أسالكم هذا السؤال الشائك: ما الواقع؟

لن تجيبوا بالطبع لأنني أنا الذي أكتب المقال، ولكن اسمحوا لي أن أبين لكم ما قاله العلم في هذا الصدد: يتشكل الواقع لدينا والذي نشعر به بحواسنا كافة عن طريق تفاعلات كهربائية معقدة جداً تحدث في الدماغ، ويزعم علماء الأعصاب اليوم أنهم إذا استطاعوا فهم كيفية حدوث هذه التفاعلات الكهربائية، وكيفية إعادة إنتاجها؛ فإنهم سيكونون قادرين على خلق عوالم افتراضية لامتناهية للإنسان! مهلاً مهلاً.. معنى ذلك أن واقعي ليس إلا مجرد واقع افتراضي آخر.. «همم» إذا فكرنا بالأمر على الطريقة الديكارتية فأقول لكم نعم؛ فالعين لا ترى إلا القليل مما يحويه عالمنا الشاسع، فلا يمكننا رؤية الموجات الصوتية والأشعة فوق البنفسجية بالعين المجردة، ولولا اكتشاف المجهر لما تمكنا من اكتشاف مليارات من الكائنات الميكروبية التي تعيش في أجسامنا! هناك العديد من البشر يؤمنون بوجود كائنات فضائية تعيش خارج الأرض لكن أنا نظرتي لهذا الأمر مختلفة إلى حد ما.. فقد تحدثت قبل قليل عن الواقع، وكيف يتشكل في ذهن الإنسان، وعليه أطرح تساؤلاتي الخاصة.. لماذا لا تكون هذه الكائنات الفضائية تعيش بيننا في الأصل على هذه الأرض، ولا يمكننا رؤيتها بسبب أن الانسان لا يمكنه رؤية أكثر من ثلاثة أبعاد؟! هذه النظرية المثيرة للجدل ذكرتني بفيلم The Others من بطولة نيكول كيدمان، إذ تدور أحداث القصة حول عائلة انتقلت أخيراً إلى منزل جديد، وبعد مدة تكتشف العائلة أن المنزل مسكون بأشباح متجسّدة على هيئة بشر قد ماتوا منذ زمن بعيد، لكن في النهاية تكون الصدمة حين تكتشف عائلة نيكول كيدمان أنهم هم من تحولوا إلى أشباح بعد أن قتلت أطفالها وأقدمت على الانتحار بعدها، وأن الأشخاص الذين كانوا يعتقدون أنهم أشباح هم أناس حقيقيون! لذلك أجد كل شيء افتراضياً بما فيه هذا المقال وعنوانه.

الآن هل ستنظرون للسقف كما كنتم تنظرون إليه في السابق؟

• يزعم علماء الأعصاب اليوم أنهم إذا استطاعوا فهم كيفية حدوث التفاعلات الكهربائية المعقدة التي تحدث في الدماغ، وكيفية إعادة إنتاجها؛ فإنهم سيكونون قادرين على خلق عوالم افتراضية لامتناهية!

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

الأكثر مشاركة