كـل يــوم

تجربة أذهلت العالم!

كـل يــوم

تجربة أذهلت العالم!

سامي الريامي

مذهلٌ ما قامت به فنلندا لتطوير التعليم، فقد استطاعت أن تنقل التعليم من مستوى سيئ، وفقاً للدراسات التي قامت بها الحكومة قبل تطبيق الاستراتيجية الجديدة، إلى أفضل دولة في العالم بنظامها التعليمي، وفقاً للمعايير والمقاييس العالمية، وكل ذلك تم بخطوات عملية واقعية نابعة من الداخل، ومن دون أي استشارات أو شركات خارجية، أو حتى تطبيق لنماذج أو تجارب من دول أخرى!

الحكومة الفنلندية أعادت هندسة التعليم، نسفت جميع الممارسات السابقة، وضعت الهدف الأول لديها هو إسعاد الطالب وترغيبه في المدرسة والتعليم، ومن خلال هذا الهدف وصلت إلى الهدف الأسمى من عملية التعليم، وهو حصول الطالب على المعرفة والعلم المطلوبين بأساليب وتقنيات جديدة، بعيدة كل البعد عن الأساليب التقليدية القائمة على الحفظ والحشو، وتضخيم المناهج وتنوع المواد!

العملية التعليمية في فنلندا معكوسة تماماً، فهي لم تأتِ من أعلى إلى أسفل، لم تأتِ من وزارة التعليم لتوزع على المناطق التعليمية والمدارس، بل نابعة من الطالب نفسه، فهو صاحب الشأن، وهو الذي يقرر ما يريد من معلمه ومن فصله ومن مدرسته، وحتى من ساحة الألعاب ومحتوياتها، فلا يوجد تصميم لمدرسة من دون مشاركة الطلبة للمهندسين في كيفية التصميم.

لذلك قلّصت فنلندا ساعات التعليم، بناء على رغبة الطلبة، وهي الآن أقل دولة بالعالم في عدد ساعات اليوم الدراسي، حيث يصل اليوم الدراسي في بعض الأيام إلى ثلاث ساعات، وأيام أخرى أربع ساعات فقط، بل إن الواجبات المدرسية المنزلية لا وجود لها إطلاقاً، وعلاقة الطالب تنتهي بالمدرسة بمجرد مغادرته منها، ويصف المعلمون هناك الواجبات المنزلية بأنها «مصطلح عفّى عليه الدهر»، لأن الفكرة الأساسية هي أن يعيش الطفل طفولته كاملة، ويستمتع الطالب بالحياة أكثر، ورغم أن ذلك يبدو ضرباً من الخيال، وقد لا تتقبله كثير من العقول، إلا أن الفيصل في النتائج، وبذلك فإن وصول فنلندا إلى هدفها الرئيس لتصبح أفضل دول العالم في نظامها التعليمي، ووصول طلابها إلى الرقم واحد عالمياً يثبتان، من دون أدنى شك، نجاح نظامهم التعليمي المبتكر!

أما المعلمون، وهم أهم محاور تطوير التعليم في فنلندا، فقد حصلوا على رواتب عالية ومزايا عديدة هناك، وتركت لهم الحكومة حرية اختيار طريقة وأسلوب التدريس بالشكل الذي يرونه مناسباً، فالمهم هو إيصال المعلومة ليفهمها الطالب بعيداً عن الأساليب التقليدية والحفظ، لا علاقة للوزارة أو المدرسة بطريقة المدرّس في التدريس، بل علاقتهم دائماً تنصبّ على النتائج، ومن خلالها يتم تقييم ومحاسبة المعلم، أما كيف وأين ومتى يقرر المعلم تدريس الطلبة فهذا شأنه!

أحد الأعزاء جداً، وهو بالمناسبة شخصية مرموقة، وفي منصب مرموق، قال لي ذات مرة: «مازلت أذكر نموذجين من المدرسين إلى اليوم، النموذج الأول كان معلماً للغة العربية، وكان جلّ همّه أن نحفظ ما يكتبه على السبورة، والنموذج الثاني لمعلم كان يعلمنا اللغة الإنجليزية، طلب منا في مرة من المرات، أن نختار قصة لنقرأها ونفهمها، فاعترضنا لعدم رغبتنا في القراءة، فقال: لا مشكلة، اختاروا الطريقة التي تريدونها، أجبنا نريد أن نشاهد فيلماً، ففوجئنا به يخرج من الفصل الدراسي ويعود إلينا بجهاز فيديو، عرض من خلاله فيلماً، ثم ناقشنا فيه، وفي بعض الكلمات والمفاهيم»! وبيت القصيد هنا، ما قاله الأخ العزيز معقباً: «صدقني لا أذكر اليوم شيء من دروس اللغة العربية تلك، في حين مازلت أذكر الفيلم بمفرداته ومفاهيمه الجديدة التي تعلمتها آنذاك»!

reyami@emaratalyoum.com

twitter@samialreyami

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .