الإمارات اليوم

5 دقائق

علامات التردد وعملية صنع الكلام

:

من عجائب آيات الله سبحانه وتعالى علينا قدرتنا على النطق والتحدث وتكوين الجمل في لغات متعددة باستخدام ثلاث أدوات، الأولى العقل الذي يحضره والثانية اللسان والثالثة الشفتان اللتان تخرجانه.

لكن حتى عملية الكلام لها رحلة من العقل إلى اللسان والرحلة لا تخلو من «المطبات وإشارات المرور والانعطافات»، التي تشكلها قبل أن تصبح حديثاً جاهزاً. لعلنا جميعاً عندما نتحدث مع بعضنا بعضاً نلاحظ تردد البعض في استخراج الكلمات، وهذا التردد يتمثل في أصوات مثل: إممممممم أو همممممم أو آآآآآآ.. قبل أن يكمل الشخص حديثه.

أعلم أنك تنتظر إجابتي، وأنا لا أريد أن أبقى صامتاً أثناء فترة التحضير لجواب سؤالك، لكني حالياً لا أملك الكلمات التي أريد استخدامها للإجابة.

هذه الأصوات تسمى علامات تردد في المحادثة يستخدمها الشخص كيفما يشاء أثناء تحضير العقل للجواب، بالطبع هي لا تعني شيئاً ولا تعكس ما يريد الشخص قوله لكنها تقول للشخص الآخر: «أعلم أنك تنتظر إجابتي وأنا لا أريد أن أبقى صامتاً أثناء فترة التحضير لجواب سؤالك، لكني حالياً لا أملك الكلمات التي أريد استخدامها للإجابة».

هناك سبب آخر لعلامات التردد في الحديث غير تحضير العقل للكلام، يسمى المصد. مثلاً: شخص لآخر: ما رأيك في احتساء كوب قهوة في ما بعد؟ لو كان الشخص الآخر جاهزاً سيقول: في الحال. أي أن الإجابة ستأتي سريعة جداً. لكن لو قال: آآآآ في الحقيقة كلا.. لست متفرغاً.. آسف. هذا الجواب السلبي بالتأكيد سيأتي لاحقاً وأبطأ من الإيجابي. هذا ليس له علاقة بالتحضير العقلي للجواب، لكنه مرتبط بعملية نفسية إذ إن المجيب يضع مصداً للسائل لأنه يعلم أن الأخير غير جاهز لسماع رفض فوري، لأن الرفض السريع يعني فظاظة في المجيب.

الحوارات دائماً تكون على مستويين، الأول موضوع المحادثة، والثاني مراقبة المحادثة وإبقاؤها في الموضوع نفسه ومنع الخروج منه. هذه في حد ذاتها ميزة بشرية لا تمتلكها الحيوانات رغم أن تلك المخلوقات لها طرقها الخاصة والمعقدة في التواصل.

تستخدم اللغة لتنظيم الحوار، فمثلاً عندما لا يجيب شخص عن سؤال موجه إليه، فإن السائل يعيد السؤال أو يقول له: لم لا تجيب؟ أو عندما يسمع شخص شيئاً لا يعجبه فإنه يقول: لماذا قلت ذلك؟ أو ماذا قلت؟ هذه الخاصية في البشر ولغتهم فقط وتسمى إشارة اللغة أو رجوعها إلى نفسها.

ويستخدم البشر اللغة لتنسيق نشاط بدني كالمدرب الذي يبلغ تعليماته للاعبيه، أو استخدام اللاعبين أنفسهم اللغة لتنسيق النشاط بينهم، كأن يطلب لاعب من زميله لعب الكرة هنا أو هناك أثناء هجمة.

وأيضاً استخدام اللغة لتنظيم نفسها كأن يقول شخص لآخر: انتظر لم أنتهِ من عشائي بعد، أو ما كان هذا؟ أو لم أنتبه لما قلته أو نعم مازلت منتبهاً لما تقوله… هذه العبارات كلها تعكس أن اللغة تنظم نفسها.

ختاماً: يستغرق الذهن نصف ثانية لتحضير كلمات إجابة أولية، ما يعني أنه في أي حوار يستعد الشخص للتحدث قبل انتهاء الآخر من حديثه، وذلك بالاستماع إلى النبرة وتصريف الكلمات لغوياً وكذلك محتوى الحديث، وهي مؤشرات تستطيع غالباً خلالها تخمين متى سينتهي الآخر من حديثه.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .