عصر «النموذجية» في الإمارات

يبدو أن هذه الحقبة الزمنية من عمر الدولة هي حقبة «النموذجية».. فمثلما هناك مدارس نموذجية، فإنه يجب أن يكون هناك مجلس وطني «نموذجي»! ربما لأننا نرغب في الدخول إلى عالم تسوده التنافسية، ويستند إلى معايير نموذجية في التميز والتطور والتنمية!

نرغب في أن يكون لدينا الطالب النموذجي، ورجل الأعمال النموذجي، والمرأة النموذجية، والفتاة النموذجية، والدائرة أو المؤسسة أو الهيئة النموذجية، وكذلك عضو المجلس النموذجي، الذي يستوعب المقررات النموذجية، لكن على الرغم من أننا نرفع شعارات (النموذجية) والجودة والتنافسية، وكذلك الشفافية والتنمية، ونتحدث مطولاً عن تلك الشعارات ونطرح الاستراتيجيات والرؤى والسياسات والآليات، إلا أن كل الدلائل والمعطيات والمؤشرات في عصر (النموذجية) هذا تؤكد وجود تراجع حاد وواضح في فيتامين (الوطنية)، الذي هو أساس (النموذجية) المنشودة، فعلاقة كثير من المواطنين بالوطن أصبحت علاقة مبنية على أساس مصالح ضيقة.

من الطبيعي في ظل هذه العلاقة أن تكون لدينا شريحة من المواطنين هي طرف في صور الفساد الذي نلمسه في عصر (النموذجية)، فلا بأس من المتاجرة في التأشيرات تحت مظلة شركات وهمية يؤسسها بموجب هويته (الوطنية)، وبموجب قوانين وتشريعات (نموذجية)، ويسهم بالتالي في جريمة الإغراق في سوق العمالة».

إن (النموذجية) التي نشهدها في هذه الفترة لم تكن لها نتائج ايجابية على الوطن والتنمية، بقدر ما تركت آثاراً خطرة ومخيفة وتهدد ركائز الدولة حينما تأكد لنا أن إنتاجية شريحة من المواطنين وإخلاصهم، وعطاءهم الذي من المفترض أن يعكس روح الانتماء والولاء لديهم أصبح مبنياً على أساس مادي، وهذا ما انعكس بشكل واضح وجلي في عدد من المحافل وحقول العطاء، ففي الرياضة أصبحت العقود المادية هي التي تربط اللاعب المواطن بناديه أو بمنتخب بلاده، فكم هي قيمة العقد؟ وفي الوظيفة العامة والحكومية، فإن المواطن ملتزم بعطائه وإنتاجيته طالما هناك راتب ومزايا تتناسب ودرجة عطائه وإنتاجه والتزامه!

إذن هناك خلل واضح نجم عن عصر (النموذجية) المنشود، هذا الأمر الذي يستوجب تدخلاً مباشراً وصريحاً من قبل مختلف المؤسسات التربوية والسياسية والثقافية وحتى النفسية والسلوكية بإعادة النظر في مفهوم (النموذجية) وصياغة عقلية المواطن، وفقاً لمبدأ (الوطنية) التي تستند إلى حقوق مادية ومعنوية كفلها له دستور الدولة، وأن تكون (التنافسية) على أساس الكفاءة والإنتاجية، وليس على أساس المحسوبية والقبلية والولاء أو الرياء الشخصي، إننا في أمس الحاجة اليوم إلى مواطنين في الانتماء، وليس أرقاماً في سجل الهوية أو الجنسية، فهل نعي دروس الماضي ونبني حصوناً للمستقبل؟!

alshamsi.n@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة