كلاشيهات مُضللة
يشير الناقد عدنان مدانات في الفصل الثالث «كلاشيهات المصطلح النقدي المُظللة من كتابه «أزمة السينما العربية/2007» بأن كتاب مارسيل مارتين «اللغة السينمائية» ـ قبل أكثر من نصف قرن ـ قاد إلى انتشار مصطلح «لغة السينما» الذي مازال النقاد يستخدمونه، رغم تطور الدراسات النظرية الحديثة، التي توصلت، عبر البحث السيميائي إلى طبيعة الوسيط السينمائي وقدرات علاماته المبتكرة في التعبير. ويعترف الناقد نفسه، بأنه أعتمد هذا المصطلح المُضلل لفترة، ثم تراجع عنه، واستخدم بدله «وسائل التعبير السينمائية».
انطلقت نظرية الفيلم، في البداية، من طبيعته البصرية، ومن مفهوم اعتبر السينما لغة، تملك قاموسها الخاص وقواعدها العامة، وحاولت بناء على ذلك أن تماثل بين صورة الفيلم «اللقطة» والكلمة وتماثل بين تتابع الصور «المشهد» والجملة ووجدت في المونتاج لغة تماثل اللغة الطبيعية. وانحرفت بهذا عن كشف خواص الوسيط السينمائي، التي كانت في طور الاكتشاف.
لكن علم اللغة اكتشف حديثا، مع اندريه مارتينيه، مبدأ «التمفصل المزدوج» من خلال بنية الكلام البشري، وحسم بذلك مفهوم اللغة وقانون نظامها العام، الذي تشترك به اللغات الطبيعية كافة، وأصبحت قانونية «التمفصل المزدوج» تُميّز وجود شرعية أي لغة، في حال وجودها بدونه.
لقد جرت، في الوقت نفسه، مساع عديدة، من قبل بازوليني و أيكو مثلاً، حاولت البرهنة على وجود تمفصل مزدوج مماثل في السينما، لتجعل منها لغة، إلا أنها عجزت عن تقديم أي برهان علمي على وجوده بشكل يماثل نوعية التمفصل اللغوي.
يتركب «التمفصل المزدوج» أولاً من « المورفيمات» وهي وحدات صوتية صغرى دالة، تتألف، ثانياً، من «الفونيمات» وهي وحدات صوتية أصغر، غير دالة، تثميّز بين الكلمات/ المعجمية، ويمكن بواسطتها تركيب تلك الوحدات الصوتية الدالة، التي تنفرد بها كل لغة. ومعروف أن عدد الوحدات الصوتية المتتابعة، في الحروف الأبجدية هو عدد محدود، لكنه ينتج عدداً غير محدود من المعاني/ الكلمات، وفقاً لنظام أي لغة طبيعية.
يُطري الفيلسوف جيل دولوز حذر الباحث السيميائي كريستيان ميتز
في تناوله لإشكالية اللغة في السينما، فهو لم يسأل: ما الذي يجعل من السينما لغة؟ إنما طرح سؤالاً آخر: ما الذي يجعلنا نعتبر السينما لغة؟ ووضع أمامنا جوابين، الأول، تعززه الواقعة التاريخية: التي تبين أن تطور السينما جعلها، بالدرجة الأولى، سينما سردية، تروي حكايات كما تفعل اللغة. والثاني يبين إن تتابع الصور وتطوره في السينما اخذ، كمعنى يقترب، بالدرجة الثانية، من العبارة الملفوظة. وأصبحنا نفهم الأفلام، ليس بسبب من فهمنا المُسبق لنظامها اللغوي، إنما على العكس من ذلك، فنحن حينما نعرف كيف نفهمها، نقترب من فهم نظامها الخاص. لأن السينما لم ترو لنا حكايات جميلة لأنها لغة، إنما لأنها روت لنا هذه الحكايات تحولت إلى لغة. ويستنتج ميتز: «إن السينما فن حين تصبح لغة».
ويبقى الأمر حقا كما يرى رولان بارت: لقد ولد الفيلم تقنياً، وأحياناً ربما جمالياً، غير أنه، لكي يصل إلى سن البلوغ، عليه أن يُولّد نظرياً.
alzubaidi0@gmail.com