فضيلة التميز
يرى كثير من الناس أن التميز ميزة بشرية أوجده الرجال المخلصون في مهامهم وقيمهم، لإصلاح الحياة الاقتصادية والإدارية. وهذا أمر حسن جداً إذ يحقق أعلى مراتب التميز في دنيا الأعمال. إلا أن التميز منهج إسلامي أصيل، شرعه الله وأراده من كل إنسان في كل أحواله وأقواله وأفعاله، في عباداته ومعاملاته، في بيته ومجتمعه، في عمله لنفسه وعمله لغيره، فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه» ومعنى إتقان العمل: أن يأتي به على وجه الكمال البشري الذي يستطيعه، وهذا هو التميز المنشود، فدل الحديث على أنه محبوب لله تعالى، لا جرم فقد جعل سبحانه حسن الأعمال غاية خلقه للعباد كما قال سبحانه {الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وإذا تأملت حال المسلم الصادق الذي يستشعر مراقبة الله تعالى في كل أحواله، ويعلم أن الله تعالى ناظر إليه في كل شؤونه، ولا تخفى عليه خافية من أمره في سره وجهره، وفي عبادته وعمله؛ تجده قد بادر إلى التميز من قبل أن توضع له قوانين منظمة، أو مراقبة مهيمنة، فلا يزداد مع ذلك كثير علم، كما لا ينقصه فقدها قليل عمل، فقد نشأ عليه صغيراً، وأتقنه كبيراً، ودعا إليه كثيراً، بسلوكه وقوله، وفعله وتركه. فالإسلام إذاً هو الذي يدعو إلى التميز ويثيب عليه ويعاقب على تركه، فقد جعل عمل المرء كله من عبادات ومعاملات أمانة، سيسأل عنها حفظ ذلك أم ضيع، ورتب عليها ما لا يدرك في العقول القاصرة من الثواب على فعلها والعقاب على تركها، وحرم من أجل ذلك الغش والخداع والخيانة، والكذب والمكايدة، والاستغلال والانتهازية والقول من غير علم والافتراء من غير واقع، وانتحال عمل الغير، والتعدي على الخصوصيات، ومصادرة الملكيات، والغش في المبيعات والمعروضات، والتشبع بما لم يعط.. إلى غير ذلك مما تقتضيه منهجية التميز في واقع العمل كما جعل من تمام الأعمال وكمالها توثيق الإجراءات، والإشهاد على المعاملات، وبيان دقائق التفصيلات، ليكون الأمر على أحسن الكمالات. وما قامت دولة الإسلام إلا على ذلك التميز الذي لم تشهد البشرية مثيلاً له في وا قع حياتها، ودنيا معاشها، ما جعلها تدخل فيه أفواجاً رغَباً، وتترك ما هي عليه رهَباً، لما رأت صدقاً في القول، وحسناً في التعامل، وإيثاراً بحظ النفس، وتنافساً على الفضائل، وبعداً عن الرذائل، ووفاء للوعود، وحفظاً للعهود، وبذلاً للحقوق.. وهكذا في كل فضيلة تطمح لها النفوس الشريفة والعقول المنيفة. هذا هو التميز الذي تنشده الدولة ويحبذه المجتمع، فهل ترى أن شيئا من ذلك ليس في الإسلام، كلا فإن كل الكمالات هو من صميم هذا الشرع الحنيف الذي هو صنع الله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ومع ذلك فإن الإسلام لا يمانع أن يطور آليات عمله في واقع الناس مما يضفي عليه كمالاً وجمالاً، ليواكب التقدم التقني، والتطور الصناعي، من غير أن يسلبه خصوصيته وحقوق ملكيته الفكرية التي يعتبر التعدي عليها جُرماً جنائياً قانوناً، فيبقى الفضل الأول لهذا الشرع الذي عرفنا هذه الفضائل، وجعل متمثلها من أول الأوائل، من غير منازع ولا متطاول، وهذا هو مصدر فخرنا، وبالغ اعتزازنا، وعلينا أن نكون له ملتزمين، وبه عاملين، ومن الله لأجره آملين.
❊كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي