‏حالة من النكران!‏

‏‏«يعيش البعض منا حالة تُسمى (النكران) وهو تغاضي ما حولنا أو إنسابه إلى الغير، وذلك تخفيفاً للذنب الذي نحمله.. للأسف هذه هي الحالة التي نعيشها الآن، عدم تحملنا للمسؤولية، ومحاولة نكران ما حولنا من جرائم وغيره».

تعليق جميل جداً من «بنت الإمارات» عبر الموقع الإلكتروني على مقال الأمس الذي رفضت فيه الاقتناع بجملة «ظاهرة دخيلة على المجتمع»، وطالبت بضرورة العمل على تبني منهاج عمل يؤسس لنموذج الشخصية الإماراتية التي نريدها للمستقبل، بغض النظر عن التطورات والمتغيرات التي تطرأ على المجتمع، والتي لن نستطيع بأي شكل من الأشكال منعها من الحدوث.

بالفعل هناك حالة نكران، أدت إلى تخيل المجتمع كأنه مجتمع وردي مثالي، لا يمكن أن يعيش فيه مجرم ولا تحدث فيه جريمة، في حين أننا دولة مثل جميع دول العالم، لابد أن تحدث فيها الجرائم، ولابد أن تنتشر فيها ظواهر اجتماعية، ولابد من مشكلات اقتصادية وتنموية وغيرها، وبالتأكيد لا يعيبنا ذلك إطلاقاً، ولا يعيبنا أبداً إن حدثت بيننا جريمة قتل أو اغتصاب أو اختطاف، ولا يقلل من جهود رجال الأمن والشرطة وقوع جرائم حديثة أو إلكترونية، ولا ينقص من قدرنا وجود مجرم أو معتوه يعيش بيننا، فلا يمكن تخيل الناس جميعهم كأنهم ملائكة، ولا وجود للدولة الفاضلة في عالم الواقع، والزمان المعاصر، ودول العصر الحديث. صحيح أن هناك مؤشرات لقياس أداء جميع الجهات الأمنية، وربما تكون زيادة معدلات الجريمة شيئاً سلبياً، لكننا إلى الآن لم نصل إلى حد الأرقام المقلقة، فالجرائم نسبة إلى عدد السكان والسياح والمقيمين،أقل من معدلاتها الطبيعية العالمية، وهي مازالت محدودة وتحت السيطرة، ومع ذلك لابد أن نؤكد ضرورة مواجهة الجريمة، والتركيز على ما يعرف بـ«الأمن الوقائي» الذي يعمل على مكافحة الجريمة قبل وقوعها، والقضاء على الظواهر السلبية قبل أن تتحول إلى حد الظواهر. والوصول إلى مكافحة الجريمة قبل وقوعها، لابد أن يبدأ أولاً بالاعتراف بوجودها، ولا شك أن جملة «ظاهرة دخيلة على المجتمع» هي حجر عثرة أمام حل المشكلات ومكافحة الجريمة، لأنها تحتوي على حالة النكران التي تجعلنا لا نعترف بوجود المشكلة أصلاً، وبالتالي تتغير الاتجاهات، مسار القضية من مشكلة تحتاج إلى حل، إلى تبرير وجدل حول وجود المشكلة من عدمه. لا نحتاج أبداً أن نبرر وقوع جريمة ما، ولا داعي لتضييع الوقت في ذلك، ولا داعي للأمنيات بعودة المجتمع الصغير، فهذا لن يتم أبداً، والأولى أن نطوّر إمكاناتنا وأداءنا بشكل أكبر من تطور الجريمة حتى نستطيع على الدوام السيطرة عليها، فالجميع يعلم تمام العلم بأن جميع الظواهر الحالية التي نعتبرها سلبية هي ليست وليدة اليوم، وكثير منها ظهر حتى في عصر إمارات الساحل المتصالح، والمتغير الوحيد الذي نشاهده اليوم يكمن في تطوّر أدوات تلك الظواهر وأشكالها، وتأثرها بعصر العولمة والزمن الجديد، وإعادة قولبتها بشكل جديد، لكن أساسها واحد، والفعل واحد، حتى إن تغيرت الطرق والوسائل. أعود وأكرر، بل أقول بصوت عالٍ «دخيلكم» الغوا جملة «دخيلة على المجتمع»، فنحن لا نحتاجها بقدر ما نحتاج إلى مواجهة ما تعتبرونه «دخيلاً»!‏

‏reyami@emaratalyoum.com

الأكثر مشاركة