سلاح الدعاء

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يعيش الإنسان في معترك تحفّه المخاطر من الجهات الست، فقلّما ينجو من طيش سهامها أو مقصد راميها، نرى ذلك بأم أعيننا، فلا نحتاج لإثباتها إلى إقامة الدليل ولا إلى قوة التأصيل؛ فذلك يتخبطه المسّ، وآخر تزلقه الأبصار، وغيره تعتوره الحوادث كلما ركب أو لعب، وهكذا مما لا ينتهي خبره، ولا يقف ضرره، إلا أن الكثير يخوض هذا المعترك غير مبالٍ بما يرى ويسمع، فيظل معزول السلاح، منكّس الرماح، مع أنه قد يكون في فوهة بركان، أو في يد شيطان، وقديماً قال شاعر عربي ينبّه من استخف بمعترك الأبطال:

جاء شقيقٌ عارضاً رمحه إن بني عمك فيهم رماح!

وهكذا نقول لإخواننا وأخواتنا وأبنائنا وبناتنا: إن سهام الحوادث تحتاج إلى دروع واقية، وتحصينات وافية، وهي في متناولكم جميعاً، لا كلفة فيها ولا عناء، إنه الدعاء الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض»، وأخبر أنه «ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة».

فلا ينبغي لمؤمن مع هذا الخبر الصادق أن يصبح أو يمسي أو يتقلب في أحواله وهو معرض عن هذه الدرع الواقية، والسلاح الباقي، فإنه إن أعرض عنه كان عُرضة للشيطان، ووساوس الإنس والجان كما قال الحق سبحانه {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرحْمَنِ نُقَيضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، وكما نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهميته، فقد أرشدنا إلى أنواعه وأوقاته وأحواله؛ فحث على أدعية لكل الأحوال والأزمنة التي يتقلب فيها المرء بالليل والنهار، وهي في متناول أيديهم من صحيح الأخبار وجيد الآثار، وهو ما يعرف بعمل اليوم والليلة، فكم هم الذين يحافظون على هذا العمل؟ ها نحن نرى الكثير ما إن يفرغ من قضاء الصلوات حتى يبتدر الباب مهرولاً، لا يلوي على ذكر أو شكر أو فكر، ولا يذكر المعقبات، ولا يقرأ السور والآيات البينات الواقيات، وهكذا في سائر تقلباته وحركاته التي تضيّق تفصيلها عجالة المقالة. وغرضي أن أنبه إلى أنه لابد للمسلم أن تكون له عناية بهذا الهدي النبوي الذي تمس حاجته إليه، فلا يغفل عنه في سائر الأحوال؛ لحمايته من طوارق الليل والنهار، وليكون عابداً لله الواحد القهار، فإنه لايزال في ترقي العبادة وعمارة العمر، وطمأنينة النفس والقلب مادام ذاكراً لله تعالى بمثل هذه الأذكار والأدعية. ولا يخفى أن الله تعالى لم يأمر بالإكثار من شيء من العبادات كما أمر بالإكثار من ذكره، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لمن سأله عن أمر يتشبث به «لايزال لسانك رطباً من ذكر الله»، لأن به تحيا النفوس وتطمئن القلوب، وتعيش في كنف علام الغيوب، وذلك هو محض العبودية لله تعالى، وعز المرء في دينه ودنياه، كيف لا ومولاه يقول «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم..»، فمن يكون في ذكر الله فهو لا ريب في كنفه وعنايته، ومن نسي مولاه فهو المنسي حقاً والمبعد صدقاً.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.



❊كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي
طباعة