خلل في الدراسات الأولية

سامي الريامي

طبيعي أن تحدث فروق مالية في تكلفة مشروع ما عند الانتهاء من تنفيذه. هذه الفروق تنجم عادة عن إدخال تعديلات إضافية، تستدعيها الضرورة في كثير من الأحيان، من دون أن تكون هذه التعديلات مشمولة في ميزانية المشروع.

هذه التعديلات مسموح بها ومعروفة لدى المهندسين ومكاتب الاستشارات الهندسية، طالما أنها لا تتعدى نسبة معينة من التكلفة الحقيقية للمشروع، وفقاً للدراسات الأولية، وغالباً لا تتجاوز هذه النسبة 10٪ من قيمة المشروع الفعلية.

وإذا تجاوزت هذه النسبة، فإن المهندسين عادة ما يعتبرون ذلك خللاً كبيراً في الدراسات والتصميمات الأولية، وبالتالي خللاً في القائمين على المشروع الذين لم يؤدوا واجبهم بالشكل الأمثل، وبالطبع هذه التعديلات هي عملياً أموال إضافية، وتكاليف مضاعفة.

ومع الأسف فإن التعديلات الإضافية على المشروعات، أصبحت في السنوات الأخيرة ظاهرة عامة، أسهمت في نزف الأموال، وخسارة الحكومة مبالغ مالية كبيرة يصعب حصرها، لكنها بالتأكيد تصب في خانة المليارات وتتجاوز الملايين.

ووصلت التعديلات إلى ما نسبته 100٪ من القيمة الحقيقية للمشروع، وهذا يعني خللاً في الدراسات وحساب التكاليف، كما أن ذلك يعني هدراً كبيراً في المال العام.

الإعلان عن أي مشروع يبدأ بتكلفة تقديرية له، ولكن مع نهاية المشروع نقرأ أرقاماً أخرى، وغالباً ما تكون ضعف الرقم المعلن، وذلك بسبب التعديلات والإضافات غير المدروسة، وغير المبررة في أحيان كثيرة.

هذه الأمور إن دلت على شيء، فإنها تدل على لامبالاةٍ وعدم حرص على المال العام، كما أنها تدل على أن هناك كثيراً من المسؤولين عن هذه المشروعات غير دقيقين في تأدية واجبهم، كما أنهم غير مهتمين بتنفيذ المشروع بالشكل المناسب وبالتكلفة المناسبة، ويتم التعامل هنا مع المال العام، وكأنه نقطة من بحر يغرف الإنسان منه ما يشاء ويسرف، من دون إحساس بالذنب أو بالمسؤولية.

أخطاء الحسابات والأرقام ليست أخطاء هامشية أو بسيطة، وعلى ضوء الأرقام يتم تقييم المشروعات منذ بدايتها، من حيث جدوى إقامتها أو الاستغناء عنها نهائياً، ومسألة ظهور المشروع في بدايته برقم معيّن وانتهائه بضعف الرقم، مسألة خطيرة، لأنها تعني بالتأكيد معلومات مضللة، ربما كان وجودها منذ البداية كفيلاً بعدم تنفيذ كثير من المشروعات.

بمعنى آخر، عندما تتم دراسة مشروع ما على أنه سيكلف مليار درهم على سبيل المثال، فإن جميع الدراسات الأخرى المرتبطة بالجدوى المالية تكون مرهونة بهذا المليار، ومن ثم تتم الموافقة بناء على هذه الدراسات التي تتضح من خلالها الفترة الزمنية الكافية لعودة هذا المليار، وبدء تحقيق الربح المتوقع عقب تلك الفترة، لكن عندما ينتهي المشروع، ونكتشف أنه كلف 10 مليارات بدلاً من مليار واحد، فإن الأمور هنا تختلف كثيراً، ولربما كان إيقاف العمل في المشروع أفضل بكثير من الاستمرار فيه.

الدراسات الأولية ليست رفاهية لا لزوم لها، بل هي أمر في غاية الضرورة، والتهاون في هذه الدراسات، بالشكل الذي يجعل الدولة تخسر مليارات من الدراهم، لا شك أنه مسألة تصنف ضمن خانة سوء الإدارة، التي تحتم محاسبة المسؤول عنها، وهذا السلوك وإن كان بعيداً عن السرقة والفساد، إلا أن نتيجته لا تختلف كثيراً عن نتيجتهما!

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة