أعطِ أولادك حقهم.. لو سمحت

ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً       إن اليتيم هو الذي تلقى له أُماً تخلت أو أباً مشغولاً

إذا كانت التربية ألا تجعل ولدك يرى ما لا تحب أن يفعله، وألا يسمع ما لا تحب أن يقوله، فإنه بلغتنا كاسطوانة الـ (C D) تعرض ما يوضع عليها! فلو رأى أدباً بين الوالدين وسمع ألفاظ ودٍ وحبٍ واحترامٍ في التعامل مع الغير عموماً سيتخلق بذلك، ولو رأى فضائيات من دون تنقية وسلوكيات من دون تربية فإنه أيضاً سيتخلق بذلك، الولد الأميركي ينطق لغة بيئته التي نشأ فيها وكذلك الهندي والعربي. ليست نظرية معقدة، وإنما حياة نحياها يومياً، فلم العجب من أن يكون الولد ابن بيئته! أليس الأعجب ألا نصلح نحن البيئة؟

الوالد المشغول بعمله وأصدقائه وسهراته ويعطي البيت المصروف ويوفر الخدم الذين عطلوا اعتماد الأولاد على أنفسهم، وأثروا كثيراً بالسلب في سلوكهم، ولا يعطي وقتاً للتربية والمتابعة، والوقت القليل الذي يقضيه في البيت يكون بين الفضائيات والصحيفة والمكالمات الهاتفية، ثم الانزعاج من أية مبادرة من الأم أو الأولاد في مشاركته في ما يسميه «مشكلاتهم هم».

والأم التي مع تكرار انصراف الأب وتبرمه أصابها الإحباط واعتبرت نفسها وحدها فانصرفت بالخروج من الضغط، وفوضت الخادمات في كل شيء أو تركت أولادها لأنفسهم، وتشاغلت حتى انشغلت بالصديقات والموضات والفضائيات وأصبحت زبونة دائمة في المراكز التجارية والندوات النسائية! ماذا قدما لأولادهما وأين وقت التربية؟

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فلا تلم الصبيان فيه على الرقص.

كان العرب بفطرتهم يقيمون لأولادهم دورات تربوية، فيقضي الولد وقتاً في البادية مع أخواله أو أعمامه ليتعلم الصبر ومعاملة الرجال وتطبيق مكارم الأخلاق كالمروءة والشهامة وإكرام الضيف وصلة الأرحام، ويتعلم الشعر والنثر، والتحدث في مجالس الكبار لتقوى شخصيته، ويُصطحب إلى المسجد ليتعلم الفقه والسيرة والآداب.

فهذا صبي تقدمه قبيلته ليتحدث عنها في مجلس عمر بن عبدالعزيز فيداعبه قائلاً: دع الحديث لمن هو أكبر سِنا، فيقول الصبي: لو كانت بالسن لكان في رعيتك من هو أحق منك بمجلسك يا أمير المؤمنين، فيقول: تكلم فكلي آذان صاغية! وكأن القبيلة تقول للأمير: هذا الصغير فينا وهذه تربيتنا! وفي زماننا لو أراد ابن الثلاثين أن يخطب للزواج تكلمت أمه وأخته، وعند الاتفاق يتفق أبوه وعمه، وعند الخلاف يستحضر الجيران، لأنه تعلم علوم الجامعات وما تعلم علوم الحياة! فقد تربى بين أبوين يحتاجان إلى فهم التربية.

استأذن أحد ولاة الأمصار على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليطلعه على أحوال ولايته، فقيل له: أمير المؤمنين مشغول مع أولاده. فلما طال انتظاره استعجل الإذن فأدخله عمر عامداً ليراه نائماً على ظهره، وعلى صدره يلعب بعض أولاده. فامتعض الوالي، فقال عمر: فلذات أكبادنا ولا خير فينا إن لم نبدأ بهم ولا عدل إن لم نعطهم حقوقهم، ثم سأله: وماذا عنك في بيتك أيها الوالي؟ فقال لاااا أما أنا إذا دخلت البيت نام المستيقظ واختفى الظاهر ولا تسمع في البيت همساً ولا حفيفاً.. فقال عمر وماذا أصنع لك إذا نزع الله الرحمة من قلبك، ومثلك لا يحسن رعاية أولاده فكيف يرعى أحوال المسلمين؟ اعلم يا هذا أنّا عزلناك.

 

mustafa@watani.ae

الأكثر مشاركة