جغرافيا الكتابة الجبانة

خليل قنديل

كنت قد قرأت قبل أسبوعين الخبر التالي: قبيل انتخابات الرئاسة الأميركية والاعلان عن نتائجها، حدد الروائي الاميركي ريتشارد فورد موقفه من هذه الانتخابات بقوله: إنه اذا فاز ماكين فإنه سيهاجر الى كندا، وخطط هو وزوجته للاستقرار بمدينة تورونتو، و رغم انه يعيش منذ 10 اعوام في مكان ساحر وينعم بالرفاه على بعد اربع ساعات من مدينة بوسطن في منزل يقع بين الغابة والبحر، ويشرف على بحيرة صغيرة، إلا انه لم يعد يطيق العيش في وطن يحكمه بوش او ماكين. ما أثار حنقي الكتابي في هذا الخبر الذي جاء في سياق مقالة عن الروائي ريتشارد فورد هي هذه العلاقة بين روح المبدع الغربي ومكانه الذي يقيم فيه، وتلك القدرة الجاهزة دائماً عند المبدع الغربي في اعلانه عن فك الارتباط مع مكانه ومغادرته لحظة شعوره بالانزعاج من مكانه، او من أثر المكان في سويته الابداعية. وما أثار حنقي ايضاً تلك القائمة الممتلئة باسماء كتّاب ممن تعاملوا مع مكانهم باعتباره الاشارة الاولى لاقامة كوكبية قادرة على دفعهم الى التخلي عن الاقامة الرتيبة في الامكنة والاستجابة لرغبات المخيلة في تحقيق ذاتها الابداعية في امكنة اخرى.

والغريب ان هجرتهم المكانية لا ترتبط بالرفاهية التي يمنحها لهم المكان بقدر ما ترتبط بعافية الانعتاق في امكنة وعواصم اخرى لها فعل السحر على انهاض كتاباتهم وتعميق قدرتهم على المشاهدة وتخصيبها بالكتابة.

والبعض من كتاب الغرب كانوا يغادرون امكنتهم الى امكنة الرواية ذاتها. ونحن هنا نستحضر الروائي الاميركي آرنست همنغواي الذي ذهب كي يعيش فترة طويلة على الشواطىء الكوبية ويختلط مع صائدي الاسماك هناك كي يعود برائعته الروائية «الشيخ والبحر».

مثلما نذكر ايضاً ضمن هذا السياق فولبير في عبوره الى مدن الشرق والكتابة عنها وتأثره بسحرها، ورحلة نيكوس كازنتزاكيس الى فلسطين لتعميق وجدانها المسيحي، وهروب رامبو من لذعة الشعر الحارقة الى اراضي الحبشة والمتاجرة بالذهب، وتصعلك الشاعر جان جانييه في اكثر من عاصمة عربية وغربية ركضاً خلف جملته الابداعية.

ونحن اذا عدنا الى قائمة الامكنة التي عبر فيها وعاشها الكاتب الغربي سندهش من قائمة العواصم والمدن والقرى والقارات التي ترك رائحته وأثره فيها.

وما يثير الحنق الكتابي ازاء كل هذه الحرية في التعامل مع الامكنة غربياً واعتبار امكنة الكوكب جميعها قابلة للاقامة والكتابة فيها هو مقارنة علاقة المبدع الغربي مع الامكنة بعلاقة المبدع العربي مع الامكنة.

فالمبدع العربي يبدو وكأنه يعاني من فوبيا مغادرة مكانه الحياتي، واذا شئنا ان نكون اكثر قسوة في التعريف نقول إن المبدع العربي يعاني من الجبن الجغرافي ذلك ان الازدحام الجماعي الذي يشكل شخصية المبدع العربي يشعره بفقدان هذه الحماية الجماعية حينما يغادر مكانه، مثلما يحرمه من عافية الحرية الكاملة في التعامل مع امكنة الكوكب باعتبارها من حقه الطبيعي. ان المبدع العربي الذي لا يغادر مكانه إلا بالكوارث السياسية كي يتحول الى معارضة يحتاج الى ان يغسل روحه بتلك الرغبة في اجتياز الامكنة وامتلاك حق الاقامة حد التشرد فيها، والعمل على فك هذه المادة اللاصقة تاريخياً في علاقته بمكانه.

 

khaleilq@yahoo.com

طباعة