حسابات ومَحَافظ وملفات إلكترونية.. «الإرث الرقمي» للمتوفى محمي قانونياً

أكد مختصون أن وفاة الشخص لا تعني سقوط الحماية القانونية عن هاتفه الذكي أو حساباته الإلكترونية، وما تحتويه من صور ومقاطع فيديو ومحادثات ورسائل وملفات شخصية تمثل جانباً كبيراً من حياته الخاصة، مشيرين إلى أن الخصوصية الرقمية تظل مصونة بعد الوفاة، بما يضمن حماية الحقوق ومنع إساءة استخدام هذه المعلومات أو تداولها خارج الأطر القانونية.

وتفصيلاً، أكدت المحامية والمستشارة القانونية، عائشة الظاهري، أن وفاة الشخص لا تؤدي إلى زوال الحماية القانونية المرتبطة ببياناته الشخصية أو حساباته الرقمية، موضحة أن التشريعات الحديثة أصبحت تتعامل مع البيانات الشخصية والهوية الرقمية باعتبارها حقوقاً تستوجب الحماية حتى بعد وفاة صاحبها.

وقالت إن الاعتقاد السائد لدى البعض بأن الحسابات الإلكترونية تصبح متاحة للتصرف أو الاستخدام من قبل الآخرين بمجرد وفاة صاحبها، غير صحيح من الناحية القانونية، إذ تظل البيانات والمحتويات المرتبطة بالحسابات خاضعة للحماية، كما تظل هناك ضوابط قانونية تحكم التعامل معها.

وأوضحت أن أفراد أسرة المتوفى، أو مَن يمثلونه قانونياً، يملكون الحق في التقدم بطلبات إلى المنصات الرقمية لإغلاق الحساب أو حذفه أو تحويله إلى حساب تذكاري أو اتخاذ أي إجراء آخر تسمح به سياسات المنصة، مشيرة إلى أن شركات التقنية ملزمة بالنظر في هذه الطلبات والتعامل معها وفق الإجراءات القانونية والأنظمة المعمول بها في كل دولة. وأضافت أن كثيراً من منصات التواصل الاجتماعي استحدثت خلال السنوات الأخيرة آليات واضحة للتعامل مع حسابات المتوفين، إذ تتيح بعض المنصات إمكانية توثيق الوفاة وتحويل الحساب إلى صفحة تذكارية، بينما تسمح منصات أخرى بإغلاق الحساب نهائياً بناءً على طلب ذوي المتوفى.

وأكدت الظاهري أن الحماية القانونية لا تقتصر على الصور أو المنشورات العامة فحسب، بل تمتد إلى البيانات الشخصية والمحتوى الرقمي المرتبط بالحساب، بما يضمن عدم استغلاله أو استخدامه بصورة غير مشروعة أو بطريقة تمس خصوصية المتوفى أو أسرته.

وأوضحت أن الحماية القانونية تمتد كذلك إلى الأجهزة الشخصية، وفي مقدمتها الهواتف الذكية وأجهزة الحاسب الآلي، التي قد تحتوي على صور ومقاطع فيديو ومحادثات ورسائل ووثائق وبيانات خاصة بالمتوفى، مشيرة إلى أن الخصوصية لا تنتهي بوفاة صاحبها.

وأضافت أن وفاة الشخص لا تمنح الآخرين حق الاطلاع على محتويات هاتفه أو تداول ما يتضمنه من صور أو معلومات أو مراسلات خارج الأطر القانونية، مؤكدة أن التعامل مع هذه البيانات يجب أن يتم بما يحفظ حقوق المتوفى وكرامته ويمنع إساءة استخدام محتواه الشخصي أو نشره دون مبرر قانوني.

وأشارت إلى أن الشخص لم يعد يترك خلفه ممتلكات مادية فقط، بل يترك أيضاً حضوراً رقمياً واسعاً يمتد عبر الهواتف الذكية والحسابات الإلكترونية ومنصات التواصل المختلفة، ويضم صوراً ورسائل ومقاطع فيديو وملفات وبيانات شخصية، الأمر الذي عزز أهمية ما يعرف اليوم بـ«الإرث الرقمي».

وقالت إن بعض الحسابات تتحول بعد وفاة أصحابها إلى أرشيف مفتوح للذكريات، حيث يواصل الأقارب والأصدقاء زيارة الصفحات وقراءة المنشورات القديمة ومشاهدة الصور ومقاطع الفيديو واستحضار المواقف المرتبطة بصاحب الحساب، ما يجعل هذه الحسابات جزءاً من الذاكرة الإنسانية والاجتماعية المحيطة بالشخص.

ولفتت إلى أن الحفاظ على الحقوق الرقمية للمتوفى لا يهدف فقط إلى حماية البيانات، بل يشمل أيضاً صون سمعته ومنع أي إساءة قد تطال شخصيته أو محتواه المنشور أو هويته الإلكترونية، خصوصاً في ظل المخاطر المرتبطة بالاختراقات الإلكترونية أو انتحال الشخصية أو إعادة استخدام الحسابات بطرق غير مشروعة.

وأضافت أن تنامي أهمية الهوية الرقمية يستدعي من الأفراد التفكير في الأثر الذي يتركونه عبر الإنترنت، باعتبار أن ما ينشر اليوم قد يبقى متاحاً لسنوات طويلة، وقد يصبح جزءاً من الصورة التي يتذكرهم بها الآخرون مستقبلاً.

وأكدت أن القانون يحفظ للأسرة الحق في حماية الحسابات والبيانات الرقمية للمتوفى إلا أن المسؤولية تبدأ من الشخص نفسه خلال حياته من خلال الحرص على أن يكون حضوره الرقمي انعكاساً لقيمه وأخلاقه وسيرته الحسنة.

وشددت الظاهري على أن الهوية الرقمية لا تنتهي بوفاة صاحبها، بل تبقى محمية قانوناً، فيما تستمر الصور والكلمات والمواقف التي تركها الإنسان على المنصات الرقمية جزءاً من أثره الممتد بين الناس، ما يجعل الحرص على ترك أثر طيب ومحتوى نافع مسؤولية تستمر آثارها حتى بعد الرحيل.

من جانبه، قال المستشار القانوني الدكتور عمار علي، إن مفهوم الميراث لم يعد يقتصر على الأموال والعقارات والممتلكات التقليدية بل أصبح يشمل ما يعرف بـ«الميراث الرقمي»، الذي يضم الحسابات الإلكترونية والمحافظ الرقمية والبريد الإلكتروني والملفات المخزنة إلكترونياً والصور والمحتوى المنشور عبر المنصات المختلفة.

وأوضح أن هناك أصولاً رقمية ذات قيمة مالية قد تدخل ضمن التركة متى كانت قابلة للتقويم المالي، مثل المحافظ الرقمية أو الأصول التي تحقق عوائد مالية، في حين تختلف البيانات والحسابات الشخصية المرتبطة بالخصوصية والسرية عن الأموال القابلة للانتقال المباشر إلى الورثة.

وأضاف أن الميراث الرقمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يعرف بالهوية الرقمية، وهي الحضور الإلكتروني الذي يمثّل الشخص من خلال حساباته وبياناته ومحتواه وتفاعلاته المختلفة على الإنترنت، مشيراً إلى أن هذه الهوية قد تبقى قائمة بعد وفاة صاحبها لسنوات طويلة.

وأشار إلى أن هذا الواقع أوجد تحديات قانونية جديدة تتعلق بحدود إدارة الحسابات الرقمية بعد الوفاة وآلية التعامل مع محتوياتها الخاصة، والتوازن بين حقوق الورثة في بعض الأصول الرقمية وحق المتوفى في الخصوصية، إلى جانب مراعاة حقوق الآخرين المرتبطة بالمراسلات أو البيانات المشتركة.

وأوضح أن من الحلول التي بدأت تحظى باهتمام متزايد ما يعرف بـ«الوصية الرقمية»، التي يحدد من خلالها الشخص مسبقاً مصير حساباته وبياناته وأصوله الرقمية بعد الوفاة، سواء بحذفها أو الاحتفاظ بها أو تمكين أشخاص محددين من إدارتها وفق ضوابط واضحة.

وأكد الدكتور عمار أن التعامل مع الميراث الرقمي يتطلب أيضاً مراعاة شروط وسياسات المنصات الإلكترونية، إذ قد تضع بعض الشركات قيوداً على نقل الحسابات أو مشاركة بيانات الدخول أو الوصول إلى بعض المحتويات الشخصية، حتى بعد وفاة صاحب الحساب.

ولفت إلى أن ضياع وسائل الوصول إلى بعض الأصول الرقمية، مثل المحافظ الرقمية المحمية بمفاتيح أو رموز خاصة، قد يؤدي عملياً إلى فقدان الأصل أو تعذر الاستفادة منه، رغم ثبوت الحق القانوني للورثة فيه.

وأكد أن الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية يجعل من الضروري تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية تنظيم الأصول الرقمية وإدراجها ضمن التخطيط القانوني للتركة، بما يحفظ الحقوق المالية ويحمي الخصوصية ويجنب الأسر العديد من الإشكالات التي قد تنشأ بعد الوفاة.

من جانبها، أكدت الباحثة المتخصصة في الأمن السيبراني، بشاير السلامي، أن شركات التقنية العالمية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في سياساتها المتعلقة بإدارة الحسابات الرقمية بعد الوفاة، بالتزامن مع الزيادة المستمرة في حجم البيانات الشخصية التي يتركها الأفراد على الإنترنت.

وقالت إن شركة «ميتا» تتيح تحويل حسابات «فيس بوك» إلى حسابات تذكارية بعد التحقق من الوفاة، كما تسمح للمستخدم خلال حياته بتعيين شخص موثوق لإدارة جوانب محددة من الحساب بعد وفاته دون منحه صلاحية الوصول إلى الرسائل الخاصة أو المحتوى الشخصي المحمي، فيما توفر شركات تقنية أخرى خيارات لإغلاق الحسابات أو حذفها أو إدارة البيانات وفق سياسات الخصوصية المعتمدة لديها.

وأوضحت أن المنصات الرقمية لا تكشف عادة عن تفاصيل الوفاة أو أسبابها أو تصنيفها داخل الحسابات، إذ يقتصر دورها على التحقق من واقعة الوفاة من خلال وثائق رسمية معتمدة، حفاظاً على خصوصية المتوفى وأسرته ومنع تداول معلومات شخصية أو حساسة دون مبرر.

وأضافت أن التحدي لا يرتبط بحسابات التواصل الاجتماعي فقط، بل يمتد إلى البريد الإلكتروني وخدمات التخزين السحابي والمحافظ الرقمية والاشتراكات الإلكترونية والملفات المحفوظة على الهواتف الذكية وأجهزة الحاسب، والتي قد تتضمن معلومات مالية أو مهنية أو شخصية ذات أهمية كبيرة للأسرة أو الجهات المختصة.

وأكدت أن حماية الإرث الرقمي لم تعد قضية تقنية فحسب، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الرقمي والخصوصية في ظل الاعتماد المتزايد على الخدمات الإلكترونية في مختلف جوانب الحياة، لافتة إلى أن التخطيط المسبق لمصير الحسابات والبيانات الرقمية بات ضرورة متنامية في العصر الرقمي.

وشددت على أن الهوية الرقمية قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة بعد وفاة صاحبها، ما يجعل الوعي بطبيعة المحتوى المنشور وآليات إدارة الحسابات والبيانات مستقبلاً جزءاً أساسياً من المسؤولية الرقمية التي ترافق الأفراد في حياتهم وبعد رحيلهم.

وقالت الباحثة بشاير السلامي إن التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي أوجدت تحديات جديدة مرتبطة بالهوية الرقمية بعد الوفاة، إذ أصبح بالإمكان إساءة استخدام الصور أو المقاطع الصوتية أو الفيديوهات المنشورة سابقاً لإنشاء محتوى مزيف أو انتحال شخصية المتوفى باستخدام تقنيات التزييف العميق، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى ضوابط تقنية وإجرائية تحد من إساءة استخدام المحتوى الرقمي للأشخاص بعد وفاتهم.

في المقابل أكد كبير المفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي، الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد، أن الحسابات الإلكترونية وما تحتويه من محتوى وصور وملفات تعد جزءاً من التركة إذا كانت مالاً له قيمة مقدرة، كالصور التراثية أو ذات الطابع التاريخي أو السياسي، فتكون ميراثاً يقسم بين الورثة قسمة المواريث شرعاً، أو تقوَّمُ وتباع ويقسم ثمنها بينهم.

أما إذا كانت مجرد حسابات للدردشة والاطلاع الإعلامي ونحو ذلك، فإنها تغلق بوفاة صاحبها، ولا مانع من الاحتفاظ بالمهم منها كفائدة أو ذكرى، لكنها لا تعد ميراثاً، ويمكن أن تحفظ لدى بعض الورثة أو يعطى كل وارث نسخة منها.

وأوضح الحداد أنه لا مانع من إطلاع الورثة على محتويات هاتف المتوفى، فما كان فيه نافعاً كوصية يعمل بها أو فائدة يستفاد منها فيجوز الإطلاع عليه، أما الأمور العامة التي لا فائدة منها فتتلف.

وأضاف أن الأحكام الشرعية تختلف بين الأصول الرقمية بحسب أهميتها وقيمتها، فالأصول الرقمية إذا كانت عملات مشفرة تعد أموالاً يرثها الورثة بحسب أنصبتهم الشرعية، أما إذا كانت ملفات عادية أو صوراً أو فيديوهات أو حسابات تواصل اجتماعي أو مواقع إلكترونية أو حتى برمجيات، فإنها لا تعد مالاً متقوماً عرفاً، وللورثة أو أحدهم الاحتفاظ بها إن شاءوا، أو إتلافها إن شاءوا، وهذا كله حيث إن كان هناك توافق بين الورثة من غير مشاحة وتنازع على شيء مما ذكر فإن كان بينهم مشاحة وتنازع فيفصل بينهم القضاء في ما يعد مالاً وتركة تورث وما لا يعد فيتلف أو يهمل.

الأكثر مشاركة