بين القسوة والتساهل أين تنمو القيم؟

في «عام الأسرة» تتجدد أهمية الحديث عن الأسرة باعتبارها المكان الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان وقيمه وسلوكه، فالطفل لا يتعلم من الكلمات فقط، بل من طريقة الحوار، وأسلوب التعامل، وشكل العلاقة التي يعيشها داخل البيت، ومن هنا يبرز السؤال التربوي الأعمق: بين القسوة والتساهل أين تنمو القيم؟

لقد أصبحت التربية اليوم أكثر تعقيداً مع تسارع الحياة والانفتاح الرقمي، ما جعل كثيراً من الأسر تعيش حيرة بين الحزم الزائد الذي قد يتحول إلى قسوة، والتساهل المفرط الذي قد يفقد الطفل الإحساس بالمسؤولية.

وفي الأسرة الإماراتية التي عُرفت بتماسكها وقيمها الأصيلة، تبقى القدوة أعظم وسيلة لغرس الأخلاق، فالطفل يتعلم الاحترام من احترام والديه له، ويتعلم الصدق من صدقهم، ويتعلم الرحمة من الطريقة التي يُعامل بها داخل البيت.

إن أخطر ما قد يواجه أبناء هذا الزمن ليس قلة الإمكانات، بل ضعف الحضور العاطفي وسط زحام الحياة، فبعض الأطفال لا يحتاجون إلى المزيد من الأشياء بقدر حاجتهم إلى من يُنصت إليهم، ويمنحهم الشعور بالأمان والاهتمام.

كما أن الاتزان في التربية لا يعني أن تكون الأسرة مثالية خالية من الخطأ، بل أن تكون واعية بطريقة تعاملها مع الخطأ نفسه، فالطفل المتزن هو الذي ينشأ في بيئة يُسمح له فيها بالتعبير عن مشاعره، ولهذا فإن التربية الحقيقية لا تُقاس بمدى سيطرة الأسرة على الطفل، بل بقدرتها على بناء إنسان متزن يعرف كيف يحترم ذاته والآخرين، ويحمل القيم معه حتى في غياب الرقيب.

الدكتورة فاطمة المراشدة

خبيرة التربية الابتكارية وأساليب التعلم المجتمعي.

الأكثر مشاركة