تقرير عن «تعدد الزوجات» يثير جدلاً على منصات «التواصل»
شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تفاعلاً واسعاً مع تقرير نشرته صحيفة «الإمارات اليوم»، أخيراً، حول خطبة الجمعة التي حملت عنوان «بيوتنا حياة»، وأكّدت فيه أن تعدد الزوجات وسيلة مشروعة لزيادة النسل ونماء المجتمع، شريطة توافر الاستطاعة والعدل.
وأثار التقرير نقاشات بين قرّاء الصحيفة حول مسألة التعدد، بين مؤيد، يرى فيه قوة للمجتمع من منظور التوسع السكاني، ومعارض، يركز على التحديات الأسرية والالتزامات المترتبة عليه.
وأكّد المستشار القانوني، الدكتور يوسف الشريف، أن قانون الأحوال الشخصية وضع ثلاثة ضوابط حازمة تنظم تعدد الزوجات، لضمان استقرار الأسرة، حيث ألزم الرجل بالعدل في المعاملة، والمساواة في القسم (المبيت)، والإنفاق بالمعروف، لافتاً إلى أن «هذه ليست التزامات شكلية، بل معايير موضوعية يمكن للمحكمة قياسها والتحقق منها».
وأكّد أن أي إخلال بهذه الالتزامات يُعدّ ضرراً شرعياً وقانونياً، يمنح الزوجة الحق في المطالبة بالتفريق للضرر، مع حفظ حقوقها المترتبة على ذلك.
ووفقاً للمرسوم بقانون اتحادي في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية، في مادته (49) بشأن حقوق الزوجين، يُلزم الزوج بالنفقة بالمعروف، والعدل بين الزوجات في المعاملة والقسم والنفقة الواجبة.
وفي مادته رقم (105) بشأن الفئات التي يجوز أن تسكن في مسكن الزوجية، نصّت على أن «للزوج أن يُسكن أكثر من زوجة في المبنى ذاته، على أن يكون المسكن مناسباً، ولكل زوجة استقلال شبه تام من النواحي كافة، وعلى سبيل المثال المرافق الصحية والخدمية والمداخل والمخارج، وللمحكمة إضافة شروط أخرى بناءً على طلب الزوجة المتضررة».
وكشف تقرير أعدته الصحيفة في وقت سابق - تضمن إحصاءات وزارة العدل عن عقود الزواج حسب الحالة الاجتماعية قبل الزواج، سجلت بالمحاكم في عجمان وأم القيوين والفجيرة الشارقة - أن 476 متزوجاً عقدوا قرانهم على أخريات العام الماضي، من دون تفاصيل ما إذا كانت الزيجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة لهم.
وقال الشريف إن المُشرّع الإماراتي وازن بين حق الرجل في التعدد وحماية استقرار الزوجة وكرامتها.
وأكّد أن الُمشرّع الإماراتي لم يتعامل مع التعدد باعتباره حالة استثنائية طارئة، بل كخيار أقرّه الشرع، ونظّمه القانون ضمن ضوابط دقيقة، بحيث لا يتحول إلى أداة للإضرار أو الإخلال باستقرار الأسرة، ومن هنا فإن القول إن التعدد بحد ذاته يُعدّ ضرراً، هو تبسيط مخلّ لا ينسجم مع فلسفة التشريع.
وأشار إلى أن المادة (49) من قانون الأحوال الشخصية جاءت واضحة في هذا التوازن، إذ لم تُجرّم التعدد، لكنها لم تتركه مطلقاً بلا قيد، بل ربطته بالتزامات جوهرية يمكن للمحكمة قياسها والتحقق منها.
وقال: «هنا تبرز نقطة بالغة الأهمية: أن التعدد لا يُقيمه القانون على مجرد النية أو الإعلان، بل على الأثر، بمعنى أن الزوج قد يكون في دائرة المشروعية لحظة الزواج الثاني، لكنه يخرج منها تدريجياً إذا عجز عن تحقيق متطلبات العدالة. وفي هذه اللحظة، يتحول الحق من كونه رخصة مشروعة إلى سبب مباشر للتفريق للضرر».
وأضاف أن «القضاء الإماراتي لم يكتفِ بمفهوم الضرر المادي التقليدي، بل وسّع دائرته ليشمل الضرر المعنوي، وهو ما يعكس تطوراً مهماً في فهم العلاقة الزوجية، باعتبارها رابطة إنسانية قبل أن تكون التزاماً قانونياً، فالإهمال العاطفي، أو التفاوت الصارخ في المعاملة، أو الشعور بالإقصاء، كلها صور قد لا تُقاس بالأرقام، لكنها تُدرك بآثارها العميقة على استقرار الأسرة».
وأكّد أن «التحدي الحقيقي لا يكمن في التعدد ذاته، بل في القدرة على تحمّل تبعاته، فليس كل من مُنح الحق قادراً على ممارسته بعدل، وليس كل من أراد التعدد مؤهلاً له واقعاً، وهنا تتجلى حكمة التشريع، حين وضع معياراً صارماً للاستمرار».
وفي تقديره فإن «المرحلة المقبلة تستدعي نقاشاً أعمق حول آليات الإثبات في دعاوى الضرر المرتبطة بالتعدد، ومدى كفاية المعايير الحالية لضبط هذا التوازن، خصوصاً في ظل تغيّر أنماط الحياة وتسارعها، بما يفرض على القضاء تطوير أدواته في التحقق من العدل كقيمة، لا كمجرد إجراء».
وأكّد أن «خلاصة الفكرة ليست في إباحة التعدد أو منعه، بل في ضمان ألّا يتحول إلى مدخل لظلم صامت لا يُرى، لكنه يهدم بهدوء».
الزواج الثاني
أكّدت محاكم بالدولة، في حيثيات أحكام أصدرتها في دعاوى طلاق، أن زواج الرجل من امرأة ثانية لا يُعدّ بحد ذاته «ضرراً» أو «شقاقاً» يُسوّغ للزوجة طلب الطلاق قانوناً.
ويعطي قانون الأحوال الشخصية كلاً من الزوجين الحق في طلب التطليق للضرر الذي يتعذر معه دوام العِشرة بالمعروف بينهما، وللمحكمة أن تحكم بالتطليق إذا ثبت الضرر وتعذّر الإصلاح.
يوسف الشريف:
• القضاء الإماراتي لم يكتفِ بمفهوم الضرر المادي التقليدي، بل وسّع دائرته ليشمل الضرر المعنوي.