عبر أرقام تبدأ بـ «600».. مقدمو خدمات يشترطون «الاتصال المدفوع» للرد على العملاء

شكا متعاملون صعوبة التواصل مع خدمة العملاء في مؤسسات خدمية خاصة، منها بنوك وشركات شحن وحجوزات طيران وغيرها، إذ تخصص بعضها أرقاماً هاتفية مدفوعة، ذات كُلفة مرتفعة، (يبدأ معظمها بالرقم 600) يتحملها العملاء، خصوصاً مع طول الانتظار، في حين تكتفي أخرى بالمحادثات الفورية عبر قنوات رقمية محدودة، من دون أرقام تواصل مباشرة.

وأكّد عملاء لـ«الإمارات اليوم» أن غياب الاتصال الهاتفي الأرضي، أو عبر خطوط مجانية، مع مقدمي الخدمات، يؤثر سلباً في تجربتهم، خصوصاً عندما يتعلق الاتصال بتتبع إنجاز الخدمة، أو عند تقديم شكوى على مستوى الخدمة المقدمة.

وقال مستشار الابتكار المؤسسي، أحمد شحروج، لـ«الإمارات اليوم» إن لجوء بعض الشركات إلى هذا النهج، في الأغلب، يكون مدفوعاً باعتبارات تشغيلية، مثل خفض الكُلفة أو تنظيم تدفق الطلبات، لكنها تخاطر بفقدان ثقة عملائها على المدى الطويل.

وتفصيلاً، أكّد المتعامل حازم يس أنه يواجه هذا التحدي بشكل واضح عندما تظهر له مشكلة طارئة في الخدمة التي طلبها، مثل تأخر تسلمها عن الموعد المحدد، أو عندما يرغب في إلغائها، أو تصحيح خطأ وقع فيه عند طلب الخدمة، مضيفاً أنه يسعى جاهداً في البحث عن رقم هاتف الشركة أو مقدم الخدمة للتواصل، فلا يجد سوى الاتصال بالرقم المدفوع الذي يبدأ بـ«600».

وأضاف أنه يلجأ إلى القناة الرقمية المتوافرة عبر موقع مقدم الخدمة، أو عن طريق المحادثة عبر برنامج «الواتس أب»، للتحدث مع الروبوت الآلي، معتبراً أن غياب التواصل الهاتفي مع موظفي خدمة العملاء يفقده الثقة بمقدم الخدمة.

واتفق معه محمد عزت بالقول إن هناك شركات الشحن ومنافذ البيع الإلكترونية ومواقع حجوزات الطيران، تكتفي بالتواصل مع عملائها عبر موقعها الإلكتروني فقط، أو البريد الإلكتروني، في حين تخصص بنوك وشركات خدمية أخرى، أرقاماً غير مجانية، تبدأ بـ«600»، الأمر الذي يتحمل كُلفته العميل عند رغبته في التواصل معهم لأمر يتعلق بالخدمة، مشيراً إلى زيادة كُلفة المكالمة مع طول الانتظار على الخط والتحدث مع موظف خدمة العملاء.

وذكر أحمد بركات ونهى سالم وآخرون أنهم مروا بتجارب مماثلة مع مقدمي خدمات متنوعة، بسبب عدم وجود قنوات تواصل هاتفية مباشرة أو مجانية، لافتين إلى ضرورة التأكد من وجود رقم هاتفي أرضي للشركة داخل الدولة قبل طلب الخدمة والتعامل معها.

وتابعوا أن الاكتفاء بطلب الخدمة عبر الموقع الإلكتروني من دون معرفة أرقام التواصل مع الشركة المقدمة للخدمة، يؤدي إلى مشكلات مختلفة، وصعوبة في التواصل.

وأشاروا إلى أن المنصات الرقمية للتواصل مع مقدمي الخدمة، في الأغلب تكون روبوتات آلية لا تتعرّف بشكل جيد إلى شكاوى المتعاملين، ولا تحلها بشكل سريع، ويضطر المتعامل إلى الانتظار طويلاً حتى يتواصل معه أحد موظفي فريق خدمة العملاء عبر هذه المنصات.

من جانبه، قال مستشار الابتكار المؤسسي، أحمد شحروج، إنه في ظل تصاعد تأثير تجربة المتعامل في سمعة الجهات الخدمية، أصبح الوصول السهل والسريع إلى قنوات التواصل أحد أهم معايير الثقة، ومع ذلك، يُلاحظ أن بعض الشركات تتجه إلى تقليل هذا الوصول، سواء بعدم توفير أرقام مباشرة، أو الاكتفاء بقنوات رقمية محدودة، أو حتى استخدام أرقام مدفوعة.

وأضاف أن هذا التوجه في الأغلب يكون مدفوعاً باعتبارات تشغيلية، مثل خفض الكُلفة أو تنظيم تدفق الطلبات، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القناة بحد ذاتها، بل في كيفية تصميم تجربة الوصول إليها، فكل خطوة إضافية يضطر المتعامل للمرور بها، من البحث عن وسيلة تواصل، إلى التنقل بين القنوات، إلى التعامل مع أنظمة آلية لا تفهم حالته، تُترجَم في ذهنه تعقيداً غير مبرر.

ونبّه إلى أنه مع تكرار هذه التجربة لا يشعر المتعامل فقط بصعوبة الوصول، بل يبدأ في تكوين انطباع بأن الجهة لا ترغب فعلياً في الاستماع إليه، أو تحاول تأخير تواصله، وهنا تتحول المسألة من «تجربة غير مريحة» إلى «فجوة ثقة»، خصوصاً في الحالات التي تتطلب استجابة فورية أو معالجة حساسة.

وقال: «لهذا السبب، يتجه العديد من المتعاملين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، كونها قناة بديلة وأكثر تأثيراً، حيث لم يعد الهدف فقط حل المشكلة، بل ضمان أن الصوت مسموع، وهو ما يتقاطع مع قوة التجارب في تشكيل الحديث بين العملاء، سواء كانت إيجابية أو سلبية».

وذكر شحروج أنه يمكن للجهات الذكية تحويل تفاعلات المتعاملين عبر قنوات التواصل الاجتماعي، بما فيها الشكاوى والاقتراحات الناتجة عن التأخر في الاستجابة، إلى أصل معرفي عالي القيمة، عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليلها، واستخلاص الأنماط المتكررة، بما يمكّنها من الانتقال من معالجة المشكلات إلى الحلول الاستباقية، وتصميم تجارب متعاملين أكثر نضجاً وكفاءة.

وأشار إلى أن هذا التوجه في دولة الإمارات، يُشكّل جزءاً من رؤية أوسع، حيث انتقلت الجهات الحكومية من مفهوم «خدمة المتعامل» إلى «إسعاد المتعامل»، مدعومة بمبادرات وطنية، مثل مبادرة برنامج الإمارات للخدمة الحكومية المتميّزة، والتي تركز على تقديم خدمات استباقية وسلسة تقلل الحاجة إلى الشكاوى أو المتابعة من الأساس.

وأكّد أنه «مع هذا المستوى المتقدم من النضج في تجربة المتعامل على المستوى الحكومي، تصبح الشركات الخدمية أمام مسؤولية واضحة لمواكبة هذه التوجهات، ليس فقط من حيث الرقمنة، بل من حيث فلسفة الخدمة نفسها، فالمتعامل اليوم يقارن تجربته بين القطاعين، ولا يفصل بين حكومي وخاص، بل يقيس الجميع بمعيار واحد قائم على سهولة الوصول، وسرعة الاستجابة، وجودة التجربة».

وقال إن الشركات التي تستمر في تقليل قنوات التواصل أو تعقيد الوصول قد تحقق وفورات تشغيلية على المدى القصير، لكنها تخاطر بفقدان ثقة عملائها على المدى الطويل. وفي المقابل، فإن مواكبة التوجه الوطني نحو إسعاد المتعامل، والاستثمار في قنوات تواصل مرنة ومدعومة بالتقنيات الذكية، لم يعد خياراً تنافسياً فقط، بل ضرورة للحفاظ على الاستدامة والتميّز في سوق تتسارع فيها توقعات العملاء بشكل غير مسبوق.

الأكثر مشاركة