محمد الشحي: الجيوش تُنفق ملايين الدولارات للحصول على ما يعرف عسكرياً بـ«تقييم نتائج الضربة».

عالِم بيانات: تصوير الأفراد لاعتراض مسيّـرات ونشره على مواقع التواصل يُقدّمان إحداثيات مجانية لـ «العدو»

حذّر عالِم البيانات، محمد الشحي، من أن أخطر ما قد يُهدّد فاعلية منظومات الدفاع الجوي الحديثة، لا يتمثل في سلاح متطور أو طائرة هجومية، بل في الهاتف الذكي عندما يستخدم بشكل غير مسؤول لتصوير أحداث عسكرية، أو عمليات التصدي للتهديدات الجوية، ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن مثل هذه المقاطع قد توفر للجهات المعادية معلومات عملياتية يمكن تحليلها والاستفادة منها.

وأوضح الشحي لـ«الإمارات اليوم» أن بعض الطائرات المسيّـرة الهجومية، مثل المسيرة أحادية الاتجاه «شاهد 136»، تعتمد في عملها على إحداثيات مبرمجة مسبقاً للوصول إلى الهدف، وتستخدم نظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية إلى جانب نظام القصور الذاتي لتصحيح مسارها أثناء الطيران، ما يجعلها تتبع مساراً عاماً مستقراً نحو الهدف، مع تعديلات تدريجية محدودة في الجو، نظراً إلى تصميمها البسيط وسرعتها المحدودة التي لا تسمح بمناورات حادة.

وأضاف أن «هذا النوع من (المسيّـرات) لا يرسل عادة إشارة مباشرة تؤكد نتيجة الضربة بعد تنفيذ المهمة، ما يعني أن الجهة التي أطلقته تحتاج إلى معرفة ما حدث لها بعد الإطلاق، وما إذا كانت وصلت إلى هدفها أم تم اعتراضها بواسطة الدفاعات الجوية».

وأشار إلى أن الجيوش في الظروف الطبيعية تُنفق ملايين الدولارات للحصول على ما يعرف عسكرياً بـ«تقييم نتائج الضربة»، وهي عملية تحليلية دقيقة تعتمد على الأقمار الاصطناعية ووسائل الاستطلاع المختلفة، لتحديد مصير المقذوفات أو الطائرات المسيّـرة بعد إطلاقها.

وأضاف أن المشكلة تكمن في أن بعض مقاطع الفيديو التي يتم تصويرها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أثناء الأزمات، أو لحظة اعتراض الدفاعات الجوية للمسيرات، توفر للجهة المهاجمة معلومة مجانية وفورية كان يفترض الحصول عليها عبر وسائل استخباراتية معقدة ومكلفة.

وقال إن المقطع المصور قد يكشف عدداً من التفاصيل التي يمكن تحليلها بسهولة، مثل اتجاه قدوم المسيرة، وموقع الاعتراض، ووقت الاستجابة الدفاعية، والبيئة الجغرافية المحيطة، وزاوية التصوير، وهي عناصر تُمكّن الجهات المعادية من تكوين صورة تحليلية عن مجريات الحدث.

وأضاف أن تحليل هذه البيانات قد يساعد المهاجمين على فهم طبيعة الاستجابة الدفاعية، وتعديل مسارات الهجوم في المرات اللاحقة، أو تحديث ما يُعرف في التخطيط العسكري بـ«بنك الأهداف»، وهو قاعدة بيانات تستخدم لتطوير الخطط العملياتية المستقبلية.

وأشار الشحي إلى أن كثيراً من هذه المقاطع تنشر بدافع التوثيق أو البحث عن الانتشار على المنصات الرقمية، إلا أن ضغطة زر واحدة لنشر الفيديو قد تتحوّل، من دون قصد، إلى مصدر معلومات مهم للطرف المهاجم.

وأوضح أن الجهات المعادية لا تنظر إلى هذه المقاطع بوصفها محتوى عابراً، بل باعتبارها بيانات قابلة للتحليل الفوري، يمكن مقارنتها بمعلومات أخرى للحصول على فهم أدق لما حدث ميدانياً.

وأكد عالم البيانات أن الوعي الوطني والمجتمعي يُمثّل خط الدفاع الأول في مثل هذه الحالات، مشيراً إلى أن دعوات الجهات الرسمية إلى عدم تصوير الأحداث الأمنية أو العسكرية ونشرها عبر المنصات الرقمية لا تعدّ مجرد توجيهات إعلامية، بل هي في جوهرها إجراءات لحماية المعلومات العملياتية المرتبطة بأداء منظومات الدفاع الجوي.

وقال إن منظومات الدفاع الجوي المتكاملة تعمل بكفاءة عالية لحماية المجال الجوي للدولة، وتأمين سلامة المجتمع، مشدداً على أن الالتزام بالتعليمات الرسمية وعدم نشر المقاطع المرتبطة بالأحداث العسكرية، يُسهمان في حماية الأمن الوطني، ومنع تسرب معلومات قد يستفيد منها الخصوم.

ونوّه بأن الدفاعات الجوية تقوم بواجبها لحماية الجميع، لذلك من المهم ألا يتحوّل الهاتف الذكي، من دون قصد، إلى ثغرة معلوماتية يمكن استغلالها، مؤكداً أن التعامل المسؤول مع المعلومات خلال الأزمات، والاعتماد على البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية فقط، يمثّلان جزءاً أساسياً من منظومة الأمن المجتمعي في العصر الرقمي.

الأكثر مشاركة