أُسر إماراتية تفتح أبواب منازلها لـ «كسر الصيام»
تسعى منازل إماراتية إلى استدامة عادة إطعام الطعام، عبر فتح أبوابها وتقديم أصناف إماراتية تقليدية للصائمين، حتى أصبح «الإفطار الإماراتي» بالنسبة إلى كثيرين جزءاً من تقاليد الشهر الكريم.
وتندرج هذه العادة ضمن التقاليد الإماراتية المتوارثة عبر الأجيال، إذ نشأ الآباء والأجداد على هذا النهج، لا سيما في رمضان، الذي يتأكد فيه أن العطاء وحب الخير متأصلان في كل بيت إماراتي.
وأكدت مختصة أسرية على القيمة الاجتماعية لهذه العادة، واعتبرتها فرصة لتعزيز روابط الأسرة وترسيخ القيم والسلوكيات الإيجابية. وقالت إن «المجلس المفتوح تقليد إماراتي قديم، وهو أحد أجمل تجليات الهوية الاجتماعية لبلادنا».
وتفصيلاً، أفادت المواطنة جميلة الزعابي بأن توزيع الإفطار على الصائمين عادة تربّت عليها، مشيرةً إلى أنها اعتادت منذ طفولتها أن يظل باب المنزل مفتوحاً دوماً.
وأضافت أن الوجبات التي تقدمها للصائمين هي ذاتها التي تتكوّن منها مائدة الإفطار التقليدية، وتضم العيش، واللحم أو الدجاج، والهريس، واللقيمات، والثريد، والسمبوسة.
وقالت إن «الحصول على وجبة الإفطار رزق مكتوب، ونكسب نحن أجر وثواب إفطار الصائم»، مضيفة أن «استمرار العادات والتقاليد الأصيلة ينبع من البيت نفسه، فالأطفال الذين يعتادون عمل الخير والعطاء، والفتيات اللاتي يتعلمن أساسيات الطبخ منذ الصغر، سيكملون المسيرة، لأن هذه المهام البسيطة تغرس لديهم منظومة قيم راسخة».
كما أشارت إلى عادة رمضانية لا تنساها منذ الطفولة، هي التجمع على الإفطار مع بقاء باب «الحوي» مفتوحاً، بحيث ينضم أي عابر يرى الباب مشرعاً إلى مائدة الإفطار، التي «تمثل منصة مجتمعية لا تفرق بين الجنسيات والأعراق».
وأكدت أن الإفطار في «حوي» البيت لايزال قائماً في منزلهم، حيث تجتمع الأسرة الممتدة في أجواء دافئة تنبض بعادات متجذرة.
أمّا سلمى النوبي فتحدثت عن استمرار تقليد توزيع الإفطار في منزلها منذ ما يزيد على 20 عاماً، مشيرةً إلى أنها تبدأ الاستعداد لهذا التقليد قبل حلول شهر رمضان بشهرين تقريباً، من خلال تجهيز الاحتياجات اللازمة لإعداد وجبات الإفطار للصائمين، مؤكدةً أنها تنتظر قدوم رمضان بكل حماسة لمواصلة هذه العادة الأصيلة التي اعتادت عليها منذ الصغر. وأوضحت أنها تحضّر الهريس واللقيمات، وتقدم العصائر والتمر والفواكه الطازجة كوجبة متكاملة لكسر الصيام، وتستقبل الصائمين خلال الفترة من بعد صلاة العصر حتى موعد الإفطار، حيث يأخذ الصائم كل حاجته. وقالت إن «الهريس» يُعد من أكثر الأصناف شعبية ويفضله الكثيرون بشكل خاص.
وأعربت عن سعادتها الكبيرة عندما يأخذ أي شخص وجبة من منزلها، مشيرةً إلى أنها توزع الطعام على المحتاجين، لا سيما في شهر رمضان، لأنها نشأت على مبدأ عمل الخير. وتابعت: «جيراني يطلقون علي لقب (أم الخير) لحبي للخير، ومدّ يد العون للجميع».
وأكدت (أم عمر) توزيع الإفطار على المحتاجين الذين يأتون إلى منزلها قبل وقت الإفطار للحصول على الوجبات الإماراتية التقليدية، خصوصاً اللقيمات والثريد والهريس والمجبوس.
وذكرت أن هذه العادة مستمرة في منزلها منذ 35 عاماً، وقد ترسّخ لديها عمل الخير منذ الطفولة، إذ تربت على مبدأ حفظ النعمة ولم يكن الطعام يُهدر في المنزل، حرصاً من أهل البيت على توزيع الفائض على الفئات الأكثر حاجة.
كما تُعد وجبات الفطور بعد صلاة الفجر طوال العام، وتشمل الجباب والخمير والمشروبات الساخنة والباردة، والدنقو، واللوبيا، إلى جانب تقديم الغداء أيام الجمعة، الذي يتنوّع بين الدجاج والعدس، وأكدت أنها ترحب بكل محتاج أو محب للأكل الإماراتي التقليدي الذي يُحضّر بكل حب، حتى أصبح منزلها منصة مجتمعية.
وتدير (أم عمر) مشروعها الخاص، الذي يسهم ريعه في توفير الاحتياجات اللازمة لتحضير وجبات الطعام.
وقالت حليمة النوبي إن الجيران وأفراد الأسرة، كباراً وصغاراً، يتعاونون في تجهيز وتوزيع وجبات الإفطار، ما يعزّز ترابط الأسرة خلال شهر رمضان.
من جانبها، قالت مؤسِّسة ورئيسة جمعية «المرأة سند للوطن» مدربة الإدارة والتنمية البشرية مستشارة العلاقات الزوجية والأسرية، الدكتورة أمينة الماجد، إن «توزيع الإفطار ليس مجرد عمل خيري موسمي، للأسر الإماراتية بل مدرسة أسرية متكاملة، تُمارَس فيها القيم عملياً أمام الأبناء»، مشيرةً أن اجتماع الأسرة على هدف إنساني مشترك، ينقلهم من دائرة «العيش معاً» إلى دائرة «العمل معاً من أجل الآخرين»، وهنا تتعمق الروابط الوجدانية بين أفرادها.
وأضافت: «هذا السلوك يعزز روح الفريق داخل البيت، ويخلق حوارات إيجابية بين الأجيال حول العطاء والمسؤولية المجتمعية، ومع التكرار السنوي، تتحوّل المبادرة إلى طقس أسري راسخ يورَّث للأبناء، ما يضمن استدامة التماسك الأسري المبنيّ على قيمة مشتركة، هي خدمة الإنسان»، وحول أهمية إشراك الأبناء، بيّنت أن توزيع الإفطار ينقل الطفل من التلقي النظري إلى الممارسة الواقعية، لأن الطفل الذي يحمل بيده وجبة إفطار ليقدمها لمحتاج، يتعلم دون تلقين معاني الرحمة، والتواضع، والشكر على النعم.
وتابعت: «من منطلق خبرتنا الأسرية، نلاحظ أن هؤلاء الأبناء يكونون أكثر تعاطفاً مع الآخرين، وأعلى إحساساً بالمسؤولية المجتمعية، وأقل ميلاً للسلوكيات الأنانية والاستهلاكية».
وقالت: «هذه المشاركة تبني لديهم ما نسميه الذكاء الاجتماعي المبكر، حيث يدرك الطفل تنوع فئات المجتمع، ويكبر وهو يحمل وعياً إنسانياً متزناً».
وأكدت أن هذه الممارسة تُعد امتداداً حياً لمنظومة القيم الإماراتية الأصيلة التي أرساها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والقائمة على الكرم والتكافل والتراحم، مشيرة إلى أن حرص الأسرة على استمرار توزيع الإفطار جيلاً بعد جيل، يلبي ثلاثة أدوار ثقافية مهمة، من بينها حفظ الذاكرة المجتمعية المرتبطة بالكرم الإماراتي، ونقل الموروث القيمي عملياً، إضافة إلى ربط الأبناء بهويتهم الوطنية في زمن الانفتاح المتسارع، وبذلك تبقى القيم حية في السلوك اليومي، لا مجرد شعارات، كما تطرقت إلى أهمية المجالس في الموروث الإماراتي، موضحة أن «المجلس المفتوح في رمضان هو أحد أجمل تجليات الهوية الاجتماعية في مجتمعنا، كونه يعكس فلسفة إماراتية عميقة، مفادها أن البيت مساحة للضيافة والتلاقي الإنساني».
وقالت إن المجالس المفتوحة تحقق آثاراً مجتمعية عدة، من ضمنها تعزيز صلة الرحم والتواصل، وكسر الحواجز الاجتماعية بين فئات المجتمع، وغرس مفهوم «البيت المرحّب» لا «البيت المنغلق» لدى الأبناء، مؤكدة أن استمرار هذه العادة حتى اليوم يدلّ على قوة الجذور الثقافية للأسرة الإماراتية، وقدرتها على التوازن بين الحداثة والمحافظة على الأصالة.
أمينة الماجد:
• المجلس المفتوح تقليد إماراتي قديم.. وهو أحد أجمل تجليات الهوية الاجتماعية لبلادنا.