تجارب أسرية تؤكد دور العلاقات الصحية في استقرار «طفل التوحّد»

استعرض عدد من أهالي ذوي التوحّد مشاهد واقعية من حياتهم اليومية مع أطفالهم، مؤكدين لـ«الإمارات اليوم» أن الاحتواء الذي يحظى به الطفل من ذوي التوحّد يُقرّبه من أفراد أسرته، ويسهم في تعزيز مشاعر التعاطف بينهم.

وقالوا إن العلاقة بين الطفل وذويه تحتاج إلى وعي وصبر وتكيّف من الجميع، وإن التوحّد ليس مرضاً، بل طريقة مختلفة في إدراك العالم، لافتين إلى أن طفل التوحّد يحب الروتين ويتوتر من التغيير المفاجئ، وبعضهم لا يتكلم للتعبير عن حاجاته، بل يتواصل بالصور أو الإشارة، وشددوا على ضرورة فهم الإخوة لحالة أخيهم، لأن ذلك يجعلهم جزءاً من الحل.

وأكّد مركز دبي للتوحد أهمية الروابط الأسرية في حياة الطفل من ذوي التوحّد، مشيراً إلى أن «العلاقات الصحية والحب غير المشروط يُعزّزان الشعور بالأمان العاطفي والاستقرار، ما يسهم بشكل فاعل في مسيرة علاجه».

وتفصيلاً، أفاد خال (ماريا)، حسن الشمار، بأن قرب المرحلة العمرية جعل علاقته بابنة أخته أقرب إلى الصداقة منها إلى العلاقة التقليدية بين طفلة وأقاربها، ما خلق مساحة للتفاهم والراحة، مشيراً إلى أنه يتعامل معها بعفوية ومن دون تكلف، ما جعل ماريا تشعر بالأمان والقبول، وتكون على طبيعتها، من دون أي ضغط.

وأكّدت خالة (ماريا)، فاطمة الشمار، حرصها على إشراكها في تفاصيل يومها، سواء في الأنشطة البسيطة أو الخروج، أو حتى في الحوارات اليومية، كما أن الجميع يتعامل مع اهتماماتها بجدية، ويمنحها الوقت الكافي للتعبير بطريقتها الخاصة من دون استعجال أو تصحيح مباشر، ما عزّز ثقتها بنفسها وشعورها بأنها مسموعة ومفهومة.

وأضافت: «الحب بالنسبة لذوي التوحّد ليس مجرد شعور، بل بيئة آمنة تساعدهم على الانفتاح والتطور، ورغم التحديات التي قد يواجهونها في التعبير عن مشاعرهم، فإنهم يدركون ويستشعرون القبول والاهتمام بعمق، وهذا الحب ينعكس على سلوكهم ويقلل من القلق، ويشجعهم على التفاعل والتجربة، ما يسهم بشكل مباشر في تحسين مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية تدريجياً».

أما زايد البلوشي فيتعامل مع أخيه الأصغر (ناصر) بلطف وحرص كبيرين، لاسيما في الأماكن العامة، عندما يتعرّض (ناصر) لنوبات غضب أو انهيار، حيث يهرع وإخوته لاحتوائه والسيطرة على الموقف ومساندة والدتهم.

وقال: «أخي (ناصر) طفل توحّد غير ناطق، ولا يستطيع التحدث أو التعبير بالكلام، لكنه يعبّر بطريقته الخاصة عبر احتضاننا، ووضع يده على خدودنا، وأحياناً يضحك ويدور حولنا».

وتحدثت (خ.أ) عن علاقة ابنتها (عائشة)، مع أخيها الأصغر (محمد)، مشيرةً إلى أن علاقتهما طبيعية كأي أخوين، إذ يتشاجران أحياناً ويعطفان على بعضهما بعضاً أحياناً أخرى.

وأكّدت أن صعوبة التعبير لدى ابنتها عزّزت لديها أهمية الالتزام بالجلسات العلاجية، موضحةً أن هذه الجلسات تساعد الأهل على فهم سلوكيات الطفل من ذوي التوحّد والتعامل معها بشكل أفضل، وأضافت: «الكثير من الأطفال من أصحاب الهمم يواجهون تحديات في المدارس، لأن البالغين الذين يفترض أن يساعدوهم لا يقدمون الدعم بالطريقة الصحيحة»، وأشارت إلى أن نهج التربية الذي تتبعه يهدف إلى أن يكون (محمد) و(عائشة) سنداً لبعضهما في المستقبل، حيث تحرص على الالتزام بالجلسات العلاجية في المراكز المتخصصة، لتمكين (عائشة) من عيش حياة طبيعية، إلى جانب تعويد أبنائها على مساعدة بعضهم بعضاً في الأمور اليومية البسيطة، مثل مساعدة (عائشة) لأخيها (محمد) في بعض المهام كونه أصغر سناً.

وبدورها، قالت (أم فيصل)، إن التعاطف يظهر بين الإخوة في اللحظات الصعبة أكثر من اليومية، ففي فترات المرض أو الخوف يلتف إخوة (فيصل) حوله ويقفون إلى جانبه حتى يتجاوز هذه المرحلة.

وأكّدت أن تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات طفل التوحّد وغرس الشعور بالفخر والتقدير لدى إخوته لدورهم الحيوي يبدأ بزرع المسؤولية لديهم، مع توضيح أن الأم قد تمنح وقتاً أكبر للطفل من ذوي التوحّد بسبب حاجته الماسة إلى الدعم المستمر.

وقالت نور شقيقة (فيصل)، إن الطريقة التي تعبّر بها عن حبها ودعمها لأخيها تكون من خلال تخصيص وقت للجلوس معه، وقضاء أوقات سعيدة، وممارسة الأنشطة والهوايات التي يحبها، وأوضحت أن تطوره ومشاركته الفاعلة في المجتمع عزّزا شعورها بالمسؤولية تجاهه.

وأكّدت (أم زايد) أن وجود ابنها (زايد) من ذوي التوحّد جعل أخاه (خالد) أكثر تعاطفاً معه، حيث يحاول استخدام أساليب مختلفة لمعرفة ما يحب، ويتعامل معه باعتباره مسؤولاً عنه، وقال خالد إن اللغة الخاصة التي يتواصل بها مع أخيه تعتمد على الاحتضان ومنحه الشعور بالأمان، إضافة إلى اصطحابه في جولات بالدراجة أو شراء «الآيس كريم» واللعب معه بالطريقة التي يفضلها.

في المقابل، قال أخصائي علم النفس الإكلينيكي بمركز دبي للتوحد، عبدالعزيز حرزالله، إن الروابط الأسرية تُشكّل الركيزة الأساسية في حياة الأطفال من ذوي التوحّد، فالبيئة التي توفر لهم الأمان العاطفي، والاستقرار اليومي الذي يحتاجون إليه تتخطى تحديات التواصل والتفاعل مع العالم من حولهم، وما يُبنى في جلسات العلاج لا يترسّخ ولا يتحول إلى واقع حقيقي إلا حين تكون الأسرة شريكاً فاعلاً في تعزيزه كل يوم.

وتابع: «في قلب هذه المنظومة الأسرية تبرز علاقة الطفل بإخوته بشكل لافت، إذ يجد فيهم نماذج حية يتعلم منها يومياً مهارات اللعب والمشاركة والتواصل بصورة تلقائية بعيدة عن ضغط الجلسات العلاجية، ما يُسرّع من تطوره الاجتماعي بشكل ملحوظ»، مبيناً أن «هذا الدور لا يخلو من ثمن نفسي، فالكثير من الإخوة يحملون بصمت مشاعر الإرهاق والإحساس بالإهمال، وهو ما لا يمكن التغاضي عنه».

كما أكّد أنه انطلاقاً من هذا الفهم العميق لأهمية الروابط الأسرية، يحرص مركز دبي للتوحد على إشراك الأسرة بأكملها في منظومته العلاجية المتكاملة، من خلال تدريب الوالدين والإخوة على أساليب التواصل الفعّال، وإشراكهم في جلسات اللعب العلاجي، وتوفير مجموعات الدعم النفسي لهم جميعاً، إيماناً راسخاً بأن العلاج الحقيقي يبدأ من داخل المنزل.

الأكثر مشاركة