«متلازمة ما قبل العيد».. تحفّز الإفراط في «التسوق العاطفي»
حذّر أطباء من تنامي ما وصفوه بـ«متلازمة ما قبل العيد» خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، وهي حالة نفسية وسلوكية مؤقتة، ترتبط بارتفاع مستويات التوتر والإرهاق الجسدي والضغط المالي، نتيجة تداخل السهر وقلة النوم مع ضغوط التسوق والاستعدادات المكثفة لاستقبال عيد الفطر، موضحين أن هذه الحالة قد تؤدي إلى الاندفاع الشرائي أو الإنفاق غير المخطط له تحت تأثير الإرهاق والضغط الاجتماعي والرغبة في تلبية توقعات الأسرة، ما قد ينعكس لاحقاً شعوراً بالضغط المالي أو الندم بعد العيد.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن تغيّر نمط الحياة في الأيام الأخيرة من رمضان، مع السهر الطويل للعبادة أو التسوق ومحاولة إنجاز المهام المتراكمة في وقت قصير، تؤدي إلى اضطراب في الساعة البيولوجية للجسم، ما قد يسبب التعب وسرعة الانفعال وضعف التركيز وانخفاض مستويات الطاقة خلال النهار، إضافة إلى تأثيرات في المزاج والقدرة على اتخاذ القرارات بشكل متزن.
ودعوا إلى التعامل مع هذه الفترة بقدر أكبر من الاعتدال والتوازن، من خلال التخطيط المسبق، ووضع ميزانية واضحة للإنفاق.
ضغوط اجتماعية
وتفصيلاً، حذرت استشارية الطب النفسي، الدكتورة أمل أبوالعلا، من تنامي «متلازمة ما قبل العيد» خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، مشيرة إلى أنها ليست اضطراباً نفسياً بالمعنى الطبي، بل حالة نفسية مؤقتة، ناتجة عن تداخل ضغوط اجتماعية واقتصادية مع الإرهاق الجسدي في فترة زمنية قصيرة.
وقالت إن الأيام التي تسبق عيد الفطر تتحول لدى كثير من الأسر إلى سباق مع الوقت لإنجاز سلسلة طويلة من المهام، مثل التسوق وشراء الملابس وتجهيز الحلويات وتنظيم الزيارات العائلية، إضافة إلى أعمال التنظيف والاستعدادات المنزلية، وهو ما يخلق حالة من تكدّس المسؤوليات في وقت محدود، ويرفع مستوى التوتر والانفعال.
وأوضحت أن الضغوط المالية تعد من أبرز أسباب هذا التوتر، حيث تتضاعف المصروفات في فترة قصيرة لتشمل الملابس والهدايا والولائم ومتطلبات العيد المختلفة.
وأضافت أن الإرهاق الناتج عن الصيام وتغيّر أنماط النوم والسهر خلال رمضان يقلل قدرة الجسم على التحمّل، ما يجعلنا أكثر حساسية للضغوط وأكثر عرضة للتوتر وتقلب المزاج.
ولفتت إلى أن بعض الأشخاص يلجؤون في هذه الأيام إلى ما يُعرف بـ«التسوق العاطفي»، حيث تتحول عملية الشراء إلى وسيلة سريعة للهرب من التوتر أو لتعويض شعور نفسي مؤقت، مؤكدة أن هذا النوع من الإنفاق يمنح شعوراً آنياً بالراحة، لكنه يتحول إلى ندم مالي أو شعور بالضغط بعد انتهاء العيد.
وأفادت بأن الإعلانات المكثفة خلال الفترة الحالية، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، يلعبان دوراً غير مباشر في زيادة هذا الضغط، إذ تربط كثير من الحملات التسويقية بين الفرح والاستهلاك، في حين تدفع صور المشتريات والاحتفالات بعض الأشخاص إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين، والشعور بضرورة مجاراة هذا النمط.
وأكدت أن المشكلة تبدأ عندما يتحول العيد من مناسبة للفرح والراحة إلى مصدر للضغط والتوتر، سواء بسبب الإنفاق الزائد أو الخلافات العائلية المرتبطة بالمصروفات أو الإرهاق الناتج عن التحضيرات.
وشددت على أهمية التعامل مع هذه المرحلة بوعي، من خلال وضع ميزانية واضحة للإنفاق، وتوزيع الاستعدادات على أيام مبكرة، وتخفيف التوقعات المرتبطة بالكمال في تفاصيل العيد، مؤكدة أن جوهر العيد الحقيقي يكمن في اللمة العائلية والمودة والراحة النفسية، وليس في حجم المشتريات أو المظاهر الاستهلاكية.
تحضيرات العيد
وقال استشاري طب الأسرة، الدكتور حيدر علي، إن الأيام الأخيرة من شهر رمضان تشهد لدى كثير من الناس ارتفاعاً في الشعور بالإرهاق الجسدي والتوتر، نتيجة تداخل الصيام مع قلة النوم والانشغال المكثف بالتحضيرات الخاصة بعيد الفطر، لافتاً إلى أن كثيراً من الأسر تحاول في فترة قصيرة إنجاز التسوق وشراء المستلزمات، وتحضير الطعام وترتيب الزيارات العائلية، وهو ما يخلق ضغطاً زمنياً ونفسياً ملحوظاً، خصوصاً لدى الآباء والأمهات الذين يوازنون بين العمل ومسؤوليات المنزل.
وتابع أن هذا النمط من الضغط قد ينعكس على الصحة الجسدية والنفسية، إذ قد ينام بعضهم ساعات أقل من المعتاد، أو يهملون تناول وجبات متوازنة خلال السحور والإفطار، كما يتراجع النشاط البدني، ما قد يؤدي إلى الشعور بالإرهاق العام وتقلب المزاج، لافتاً إلى أن الأطفال أيضاً قد يتأثرون بهذه التغيرات، خاصة عندما يحدث اضطراب كبير في الروتين اليومي أو في مواعيد النوم، مؤكداً أهمية الحفاظ على قدر من الانتظام في حياة الأسرة حتى خلال فترة الاستعدادات.
وأوضح أن بعض العائلات تشعر أيضاً بضغط مالي ونفسي مع اقتراب العيد، نتيجة الرغبة في تلبية متطلبات الأبناء وتوقعات المجتمع، لافتاً إلى أن من المهم التعامل مع هذه المرحلة بوعي، من خلال وضع ميزانية واقعية وتجنب الإنفاق المتسرع في اللحظات الأخيرة بدافع الضغط الاجتماعي أو المقارنة بالآخرين.
وأكد أن التخطيط المبكر يخفف كثيراً من هذا الضغط، إذ يمكن توزيع التحضيرات على الأيام الأخيرة من رمضان بدلاً من تركها للحظات الأخيرة، كما أن تقسيم المسؤوليات بين أفراد الأسرة يخفف العبء عن شخص واحد داخل المنزل.
وأضاف أن العيد في جوهره مناسبة للفرح والامتنان وتعزيز الروابط العائلية، وليس سباقاً للاستهلاك أو المبالغة في المظاهر، مشيراً إلى أن تبسيط الاحتفالات والتركيز على قضاء الوقت مع العائلة وزيارة الأقارب يمكن أن يجعل المناسبة أكثر راحة ومتعة للجميع.
انعكاسات صحية
من جهتها، قالت استشارية الطب الباطني، الدكتورة وداد نبيه، إن آثار قلة النوم لا تقتصر على الجانب الجسدي، إذ تزيد من التوتر والحساسية العاطفية لدى بعض الناس، مضيفة أن نقص النوم قد يؤثر أيضاً في طريقة اتخاذ القرارات، إذ تقل كفاءة الجزء المسؤول عن الحكم على الأمور وضبط النفس في الدماغ عند الشعور بالإرهاق، في حين يزداد التأثر بالعواطف والرغبة في المكافأة السريعة. ولفتت إلى أن هذا قد يفسر ميل بعض الأشخاص إلى الإنفاق الاندفاعي أو الإفراط في التسوق خلال الجولات الليلية في الأسواق قبل العيد.
وبيّنت أن السهر المتكرر يربك الإيقاع الطبيعي لدورة النوم والاستيقاظ في الجسم، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الطاقة خلال النهار وصعوبة التركيز، كما يؤثر في الهرمونات المرتبطة بالشهية والتوتر والتمثيل الغذائي، فقد يشعر الشخص بزيادة الجوع أو بالرغبة في تناول الأطعمة السكرية، إضافة إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، في حين يصبح إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم أقل انتظاماً.
وأكدت أن تجنب الإرهاق في هذه الفترة يتطلب تنظيم الوقت والاهتمام بالصحة، مشيرة إلى أهمية الحصول على ما لا يقل عن 6 إلى 7 ساعات من النوم يومياً، حتى لو كان النوم مقسماً بين الليل وقيلولة قصيرة خلال النهار، إضافة إلى تقليل استهلاك الكافيين في ساعات الليل المتأخرة، والحرص على شرب كميات كافية من الماء، وتجنب استخدام الشاشات لفترات طويلة قبل النوم.
ونصحت بمحاولة إنجاز تسوق العيد في وقت مبكر من المساء بدلاً من السهر لساعات متأخرة في الأسواق، مؤكدة أن هذه الخطوات البسيطة تساعد على الحفاظ على مستوى الطاقة وتجنب الإرهاق، بما يتيح للناس استقبال العيد وهم في حالة أفضل صحياً ونفسياً.