معلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي لإعداد المحتوى وتصميم مواد بصرية

أكد معلمون لـ«الإمارات اليوم» أن الحصة الدراسية في التعلم عن بُعد، عملية إنتاج رقمي متكامل، يتحمل فيها المعلم أدوار التخطيط والتصميم والتنفيذ والإخراج، لينتقل من السبورة إلى صناعة المحتوى، فبينما كانت الحصة التقليدية تُعد خلال نحو نصف ساعة، يحتاج إنتاج درس رقمي متكامل إلى ما لا يقل عن ثلاث ساعات، مع دروس تفاعلية تتطلب وقتاً إضافياً لإعداد الأنشطة والمؤثرات البصرية.

ورصدت «الإمارات اليوم» أربع تجارب لمعلمين من تخصصات مختلفة في الميدان التربوي خلال تطبيق التعلم عن بُعد، أظهرت أن الشرح التقليدي لم يعد كافياً في البيئة الافتراضية، حيث يبدأ إعداد الحصة بتحديد أهداف دقيقة، يليها تقسيم المحتوى إلى وحدات قصيرة، وتصميم شرائح مدعومة بالصور والفيديو، وصولاً إلى إعداد أنشطة تفاعلية واختبارات فورية.

وأكد المعلمون أن هذا التحول نقل المعلم من دور «الملقّن» إلى «المصمم التعليمي»، الذي يبني تجربة تعلم متكاملة، تراعي تفاعل الطلبة وتباين مستوياتهم.

سيناريو الحصة

وقالت معلمة اللغة العربية، ريبال غسان العطا، إن التعلم عن بعد فرض نمطاً جديداً في التخطيط، إذ إن «الحصة لم تعد تُبنى بشكل عفوي، بل وفق سيناريو واضح يحدد زمن كل نشاط، ونوع الوسيلة المستخدمة».

وأضافت أنها تبدأ بإعداد خريطة درس تتضمن أهدافاً لغوية محددة، ثم تقسّم المحتوى إلى فقرات قصيرة تشمل نصاً مقروءاً مدعوماً بمقاطع صوتية لتدريب الطلبة على النطق السليم، تليها شرائح تفاعلية لتحليل المفردات والأساليب، قبل الانتقال إلى أنشطة تطبيقية، مثل الكتابة السريعة أو اختيار الإجابة الصحيحة عبر منصات تفاعلية.

وأكدت أهمية إدراج مقاطع فيديو قصيرة توضح القواعد أو تعزز الفهم السياقي للنص، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب المنظم رفع جودة محتوى الحصة، وزاد تفاعل الطلبة، وحسّن مستوى تحصيلهم، خصوصاً في مهارات القراءة والفهم والتعبير الكتابي.

درس الرياضيات

وشرح منسق مادة الرياضيات، الدكتور عمرو منجد، لـ«الإمارات اليوم»، كيفية إعداد الدرس الرقمي، إذ يختلف باختلاف المرحلة الدراسية، لكنه يقوم على خطوات أساسية تبدأ بتحديد نواتج التعلم بدقة، ثم تقسيم المفهوم الرياضي إلى مراحل مبسطة تُعرض تدريجياً.

وأوضح أنه في الصفوف المبكرة، يتم الاعتماد على الوسائط البصرية، مثل الرسوم التوضيحية والألعاب التفاعلية لترسيخ المفاهيم، أما في المراحل الأعلى فيُستخدم الشرح التدريجي عبر السبورات الرقمية، مع حل أمثلة مباشرة، وإتاحة الفرصة للطلاب للمشاركة الفورية.

وأشار إلى أنه يوظف أدوات مثل اللوحات التفاعلية، وبرامج عرض المعادلات، ومنصات الاختبارات الفورية، إلى جانب تسجيل مقاطع قصيرة لشرح الخطوات المعقدة، بحيث يمكن للطلبة الرجوع إليها لاحقاً.

وأكد أن إعداد درس رقمي في الرياضيات يستغرق في المتوسط ما بين ساعتين وثلاث ساعات، تشمل إعداد المحتوى، وتصميم الأنشطة، وتجهيز الوسائط الداعمة.

وأضاف أن هذا النمط من التدريس عزز من مهارات المعلمين التقنية والتنظيمية، كما رفع مستوى تفاعل الطلبة، ومكنهم من فهم الخطوات بشكل أعمق، بفضل إمكانية إعادة الشرح وممارسة التمارين بشكل فوري، ما انعكس إيجاباً على مستوى تحصيلهم الدراسي.

تجارب بصرية

وذكرت معلمة العلوم، أسماء عمار، أن إعداد الدرس الرقمي في مادتها يعتمد على تحويل المفاهيم العلمية المجردة إلى تجارب بصرية تفاعلية، إذ تبدأ بتحديد الفكرة العلمية الأساسية، ثم تبسيطها عبر مقاطع فيديو قصيرة أو محاكاة رقمية، تليها أنشطة تطبيقية تحفّز التفكير والاستكشاف.

وأضافت أنها توظف أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد المحتوى، سواء في تبسيط المفاهيم، أو توليد أسئلة متنوعة تراعي الفروق الفردية، أو تصميم مواد بصرية سريعة توضح التجارب، ما أسهم في تقليص جزء من وقت الإعداد، وتسريع إنجاز بعض المهام.

وأشارت إلى أن إعداد الدروس يتم وفق خطة أسبوعية منظمة، حيث تخصص يوماً للتخطيط وتحديد الأهداف، ويومين لإعداد المحتوى وتصميم الوسائط، ويوماً لتجهيز الأنشطة والتقييمات، إلى جانب مراجعة نهائية قبل التنفيذ.

وأكدت أن مدة الإعداد تختلف باختلاف طبيعة الدرس، إذ تراوح بين ساعتين للموضوعات المبسطة، وأربع أو خمس ساعات للدروس التي تتطلب إعداد تجارب أو مواد بصرية مكثفة.

وأفادت بأنها تستخدم العروض التفاعلية ومقاطع التجارب المصورة ومنصات المحاكاة، إلى جانب اختبارات فورية لقياس الفهم، مشيرة إلى أن هذا النهج رفع جودة المحتوى، وعزّز تفاعل الطلبة، ومكّنهم من ربط المفاهيم النظرية بالتطبيق العملي، بما أسهم في تنمية مهارات الملاحظة والتحليل لديهم.

التواصل اللغوي

وأفادت معلمة اللغة الإنجليزية، لينا يوسف، بأن إعداد الدرس الرقمي في مادتها يركز على تنمية مهارات التواصل اللغوي أكثر من الاكتفاء بالشرح، مشيرة إلى أنها تبني الحصة حول مواقف حياتية تفاعلية، مثل الحوارات القصيرة أو المحاكاة الصوتية، بما يتيح للطلبة ممارسة اللغة بشكل مباشر.

وأكدت أنها تعتمد على تسجيل مقاطع صوتية ونصوص مسموعة لتنمية مهارتي الاستماع والنطق، إلى جانب أنشطة تفاعلية، مثل إكمال الجمل، والمحادثات الثنائية داخل غرف النقاش، مع توظيف أدوات رقمية تتيح تصحيح الأخطاء بشكل فوري.

وأضافت أن هذا الأسلوب كسر حاجز الخوف لدى الطلبة، وزاد ثقتهم في استخدام اللغة، حيث أصبحوا أكثر جرأة في التحدث والمشاركة، ما انعكس إيجاباً على تطور مهاراتهم اللغوية، خصوصاً في المحادثة والاستماع.

أدوات رقمية

وأكد مدير مدرسة دبي للتربية الحديثة، خالد عبدالحميد، أن التحول إلى التعلم عن بُعد أعاد توزيع أدوار العملية التعليمية داخل المدرسة، موضحاً أن الإدارة لم تعد تقتصر على المتابعة اليومية، بل أصبحت شريكاً مباشراً في دعم المعلمين، من خلال توفير الأدوات الرقمية، وتنظيم ورش تدريبية مستمرة، ومتابعة جودة المحتوى المقدم داخل الحصص الافتراضية.

وأشار إلى أن هذا الدور الجديد فرض على الإدارات المدرسية تطوير آليات تقييم مختلفة تركز على التفاعل وجودة العرض، وليس فقط على استكمال المنهج، مؤكداً رفع مستوى التنسيق بين المعلمين في المدرسة، حيث بات هناك تبادل مستمر للخبرات والمواد التعليمية الرقمية، ما انعكس إيجاباً على توحيد جودة الدروس وتحسين مخرجات التعلم، مؤكداً أن الاستثمار في دعم المعلم رقمياً أصبح ضرورة.

إجراءات عملية

ورأى خبير العلوم الرياضية والحاسوب، الدكتور فادي الحدادين، أن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين جودة الدروس الرقمية وعبء العمل على المعلم، مشيراً إلى أن إنتاج محتوى تفاعلي يتطلب وقتاً وجهداً يفوقان التحضير التقليدي، ما يدفع بعض المعلمين إلى العمل ساعات إضافية لضمان مستوى عالٍ من الجودة.

وأوضح أن هذا الواقع يفرض على المدارس إعادة النظر في توزيع الحصص والمهام بما يتواءم مع متطلبات التعلم الرقمي، محذراً من أن استمرار الضغط دون دعم كافٍ قد يؤثر في استدامة الأداء، مؤكداً أهمية توفير بيئة عمل مرنة، وتخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، إلى جانب تقديم حوافز معنوية ومهنية، بما يحافظ على جودة التعليم دون استنزاف الكوادر التعليمية.

وأضاف أن تعزيز هذا التوجه يتطلب حزمة من الإجراءات العملية، من أبرزها إعادة توزيع العبء التدريسي بما يتناسب مع وقت إعداد المحتوى الرقمي، وتوفير برامج تدريب متخصصة، تركز على مهارات التصميم والإنتاج، إلى جانب إتاحة أدوات وتقنيات داعمة تسهم في تسريع إعداد الدروس دون الإخلال بجودتها، فضلاً عن تعزيز ثقافة العمل الجماعي داخل المدارس من خلال تبادل الموارد التعليمية والخبرات بين المعلمين، بما يحقق كفاءة أعلى، ويخفف الضغط الفردي.

تحديات

أكد معلمون أن التحول إلى التعليم عن بعد، وتعدد أدوار المعلم، أديا إلى ضغط متزايد، نتيجة الجمع بين مهام التدريس والتصميم والتحرير.

وأضافوا: «يبرز عامل الوقت كأحد أبرز التحديات، إذ يتطلب إعداد المحتوى الرقمي وقتاً أطول بكثير مقارنة بالتحضير التقليدي، إلى جانب الحاجة المستمرة لمواكبة التحديثات التقنية، كما يفرض الإرهاق الرقمي نفسه بقوة، نتيجة الاستخدام المكثف للأجهزة والمنصات، وما يسببه من إجهاد ذهني وبصري مع تكرار الحصص الافتراضية يومياً، فضلاً عن تفاوت مهارات المعلمين التقنية، ما ينعكس على تباين جودة المحتوى التعليمي».

الأكثر مشاركة