ذوو طلبة يستعينون بـ «شات جي بي تي» لقياس كفاءة المعلمين
يلجأ أولياء أمور طلبة إلى «شات جي بي تي» لقياس كفاءة المعلمين، في مشهد تربوي جديد أدخل الذكاء الاصطناعي إلى دائرة التقييم من زاوية غير متوقعة، إذ يستخدمون هذه التقنية لصياغة أسئلة يطرحونها على معلمي أبنائهم، بهدف اختبار مستوى كفاءتهم العلمية والتدريسية.
وقال ولي أمر طالب في المرحلة المتوسطة، عادل شحاتة، لـ«الإمارات اليوم»، إن الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي جاءت نتيجة قلق متزايد بشأن مستوى الفهم الحقيقي لدى ابنه.
وأضاف: «ابني يحصل على درجات مرتفعة في الاختبارات، لكنني لاحظت أنه يواجه صعوبة في شرح الفكرة أو تبسيطها خارج نص الكتاب».
وتابع أنه قرر اختبار الأمر بطريقة مختلفة، فطلب من «شات جي بي تي» صياغة مجموعة من الأسئلة التحليلية المرتبطة بالدرس نفسه، ثم طرحها على المعلم خلال لقاء مباشر.
وأوضح أن النتيجة، وفق وصفه، كانت مفاجئة له، إذ جاءت الإجابات - بحسب قوله - عامة في معظمها، وبعضها أقل عمقاً من الإجابة التي قدمها الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي دفعه إلى إعادة التفكير في طبيعة التعلم الذي يتلقاه ابنه، وما إذا كان يعتمد على الحفظ أكثر من الفهم والتحليل.
ولجأ ذوو طلبة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة أسئلة تحليلية وتطبيقية، بهدف اختبار مستوى الفهم الحقيقي لدى الطلبة، وقدرة المعلم على توضيح المفاهيم بعمق يتجاوز حدود النص المدرسي، فقد قالت ولية أمر طالبة في المرحلة الثانوية، ميادة ياسين: «ابنتي تحصد درجات مرتفعة باستمرار، لكن عندما حاولنا صياغة أسئلة تطبيقية تربط المفهوم العلمي بالحياة اليومية، واجهت صعوبة في تقديم إجابة واضحة».
وأضافت أن الأمر لم يتوقف عند الطالبة، بل امتد - بحسب قولها - إلى شرح المعلم نفسه، الذي بقي ضمن حدود المنهج الدراسي من دون التوسّع في التطبيقات العملية.
وأكّدت أن هذه التجربة قادتها إلى قناعة بأن التفوق في الدرجات لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات التفكير والتحليل، بل يعكس أحياناً قدرة جيدة على استيعاب المحتوى المقرر فقط.
وفي المقابل، ذكرت ولية أمر طالبة، سارة مصطفى، أنها طرحت على المعلم مجموعة أسئلة صاغتها باستخدام «شات جي بي تي»، إلا أن المعلم لم يكتفِ بالإجابة عنها، بل حلل بعض الإجابات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، وبيّن أوجه القصور أو الأخطاء المحتملة فيها، قبل أن يربط المفاهيم العلمية بأمثلة عملية من الواقع.
وأضافت: «في تلك اللحظة أدركت أن المعلم قادر على توظيف التكنولوجيا نفسها لتعميق الفهم، وليس مجرد منافستها».
وتكشف هذه التجربة، وفق قولها، أن القضية لا تتعلق بوجود الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل بكيفية تعامل المعلم معه، وقدرته على توظيفه لتعزيز التعلم بدلاً من الاكتفاء بدور تقليدي يقتصر على شرح المنهج.
وعبّر معلمون عن وجهات نظر متباينة إزاء لجوء بعض أولياء الأمور إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لاختبار كفاءتهم، مؤكدين أن هذه الظاهرة تعكس تحولات جديدة في علاقة الأسرة بالمدرسة، لكنها تثير في الوقت ذاته، تساؤلات حول حدود المقارنة بين الإنسان والآلة.
ورأى منسق مادة الرياضيات في إحدى المدارس الخاصة، الدكتور عمرو منجد، أن وضع المعلم في مواجهة مباشرة مع أدوات الذكاء الاصطناعي ينطوي على قدر من عدم الإنصاف، لأن المعلم يعمل ضمن سياق تعليمي محدد تحكمه مدة الحصة الدراسية، ومتطلبات المنهج، وتفاوت مستويات الطلبة داخل الصف الواحد، ما يفرض عليه أحياناً تبسيط الشرح، والتركيز على النقاط الأساسية لضمان استيعاب الجميع.
وأضاف: «لا يمكن مقارنة المعلم بآلة تمتلك وقتاً غير محدود، وقاعدة بيانات واسعة، وإمكانية توليد إجابات فورية من مصادر متعددة»، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرات المعلم بقدر ما يرتبط أحياناً بتوقعات مرتفعة أو غير واقعية من دوره، في ظل بيئة تعليمية معقدة تتداخل فيها عوامل عدة. من جهة أخرى، يقرّ معلم الفيزياء أحمد منجي، بأن هذه التجارب دفعت بعض المعلمين إلى إعادة النظر في أساليبهم التدريسية، قائلاً: «حين اطلعت على بعض الأسئلة التي صاغها الذكاء الاصطناعي، أدركت أنها تتطلب مستوى أعلى من التحليل والربط بين المفاهيم».
وأكد أن هذا الأمر شكّل بالنسبة له «جرس إنذار مهنياً»، إذ كشف أن التركيز في بعض الأحيان ينصبّ على نقل المعلومة أكثر من تدريب الطلبة على التفكير النقدي وحل المشكلات.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي ينبغي ألّا يُنظر إليه بوصفه تهديداً للمعلم، بل أداة يمكن أن تسهم في تطوير العملية التعليمية إذا أُحسن توظيفها، قائلاً: «في النهاية، قد تكون هذه التقنيات مرآة تدفعنا إلى تحسين أساليبنا التدريسية».
أما التربوي خالد عبدالحميد، وهو مدير مدرسة خاصة، فيضع النقاش في إطار أوسع يتجاوز أداء المعلم الفردي، معتبراً أن المشكلة الحقيقية ترتبط بطبيعة النظام التقييمي نفسه.
وأوضح أن كثيراً من المعلمين يضطرون إلى التركيز على الحفظ واسترجاع المعلومات، لأن الامتحانات في كثير من الأحيان تقيس هذا النوع من المهارات.
وقال: «طالما أن الاختبارات تعتمد بدرجة كبيرة على قياس القدرة على التذكر، فمن الطبيعي أن يدرّس المعلم بطريقة تخدم هذا الهدف».
ويرى أن التغيير الجوهري يجب أن يبدأ من تطوير أساليب التقييم، بحيث تقيس مهارات التحليل والتفكير النقدي وتطبيق المعرفة، لا مجرد استرجاعها.
وتفتح هذه النقاشات باباً أوسع للتساؤل حول طبيعة ما تقيسه الاختبارات المدرسية فعلياً، إذ تشير تجارب ميدانية إلى أن جزءاً كبيراً من الأسئلة التي يمكن للذكاء الاصطناعي توليد إجابات دقيقة لها خلال ثوانٍ، لايزال يُشكّل جزءاً أساسياً من الامتحانات، فإذا كانت الآلة قادرة على حل هذه الأسئلة بسهولة، فهل لاتزال تقيس مهارات حقيقية لدى الطلبة أم أن الوقت حان لإعادة النظر في فلسفة التقييم، بما ينسجم مع عالم يتجه بصورة متسارعة نحو التفكير التحليلي والابتكار؟
أما الخبيرة التربوية الدكتورة منى جابر، فترى أن لجوء بعض أولياء الأمور إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لطرح أسئلة تحليلية أو اختبار مستوى الفهم لدى الطلبة، يعكس تحولاً أعمق يرتبط بمتطلبات المستقبل المهني للأجيال الجديدة، مؤكدة أن سوق العمل المعاصرة لم تعد تكتفي بالمعارف النظرية أو التعريفات المحفوظة، بل تبحث عن مهارات أكثر تعقيداً، مثل القدرة على حل المشكلات، واتخاذ القرار، والتفكير النقدي، والتكيّف مع المواقف المتغيّرة.
وأشارت إلى أن الطالب الذي يعتاد على تلقي الإجابة الجاهزة أو يعتمد على الحفظ من دون فهم عميق للمفاهيم، قد يحقق نتائج جيدة في الاختبارات المدرسية، لكنه يواجه صعوبات حقيقية عندما يوضع أمام مواقف تتطلب التفكير المستقل أو ابتكار الحلول.
وقالت: «التحدي الحقيقي يظهر في أول مقابلة عمل، حين يُطلب من الخريج تحليل موقف أو تقديم رؤية لحل مشكلة لا تملك إجابة نموذجية جاهزة».
من جانبه، يرى خبير الذكاء الاصطناعي شادي دياب، أن النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم لا ينبغي أن يُختزل في كونه منافساً للمعلم أو بديلاً عنه، بل يجب النظر إليه بوصفه أداة جديدة دخلت المنظومة التعليمية.
وأكّد أن المعلم سيبقى محور العملية التعليمية، لكن طبيعة دوره مرشحة للتطور، بحيث ينتقل من مجرد ناقل للمعلومة إلى موجّه للتفكير ومحفّز على التحليل والاكتشاف.
ميادة ياسين:
تجربة مع ابنتي المتفوقة كشفت أن التفوق في الدرجات لا يضمن القدرة على الإجابة عن الأسئلة التطبيقية.
الدكتور عمرو منجد:
وضع المعلم في مواجهة مباشرة مع أدوات الذكاء الاصطناعي ينطوي على قدر من عدم الإنصاف.
الدكتورة منى جابر:
استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يكشف تحولاً أعمق في متطلبات المستقبل المهني.