الدكتورة فاطمة المراشدة: خبيرة التربية الابتكارية وأساليب التعلم المجتمعي

نمو

. كيف يؤثر الكمال الزائف بوسائل التواصل في رضا أبنائنا عن أنفسهم؟

لم يعد الطفل يقارن نفسه بأبناء حيه فقط، بل يقارنها بعالم كامل يعرض أمامه يومياً صوراً مثالية لحياة تبدو بلا أخطاء. في منصات التواصل يشاهد بيوتاً مرتبة دائماً، وأجساداً بلا عيوب، وإنجازات متتابعة، وابتسامات لا تغيب، ومع تكرار هذه المشاهد، يتسلل إلى داخله سؤال صامت: لماذا لست مثلهم؟

لا يدرك الطفل أن ما يراه هو لحظات منتقاة بعناية، وإنما يظن أن هذه هي الحياة الحقيقية، لذا فإنه يبدأ يقيس شكله، وملابسه، ومستواه الدراسي، وحتى علاقاته بهذا المعيار اللامع، وإن لم يطابق الصورة يشعر بنقص خفي قد لا يصرح به، لكنه يظهر في تراجع ثقته بنفسه أو في سعي مفرط إلى إرضاء الآخرين، وهنا تتشكّل صورة ذاتية مشوشة، أساسها المقارنة لا القناعة. إن الكمال الزائف لا يضغط على الكبار فقط، بل يرهق الصغار أيضاً، فالطفل الذي يعتقد أن النجاح يجب أن يكون دائماً لافتاً، وأن الخطأ عيب لا يُغتفر، يكبر وهو يخشى التجربة، خوفاً من الفشل العلني، وقد يختار إخفاء ضعفه بدل طلب المساندة، لأنه تعلّم أن الصورة أهم من الحقيقة. ما يحتاج إليه أبناؤنا اليوم ليس منع التقنية بالكامل، بل تعليمهم قراءة الواقع بوعي، وأن نشرح لهم أن خلف كل صورة قصة لا تُروى، وحين يرى الطفل والديه يتقبلان عيوبهما، ويعترفان بأخطائهما، ويتحدثان عن تجاربهما بصدق، يتعلم أن النقص جزء طبيعي من الإنسانية، وليس عيباً يستدعي الخجل.

رسالة لكل أسرة إماراتية حريصة على توازن أبنائها: علموا أبناءكم أن قيمتهم لا تُقاس بعدد الإعجابات ولا بسرعة الإنجاز، بل بصدق المحاولة ونقاء النية، ازرعوا فيهم مفهوم الاكتفاء الداخلي، وذكّروهم أن أجمل ما في الإنسان حقيقته، لا صورته المنمقة، فالطفل الذي يتصالح مع ذاته اليوم يصبح بالغاً واثقاً لا تهزه مقارنات الغد.

 abayoumy@ey.ae

الأكثر مشاركة