مدن «عالمية» تعني كوارث «عالمية» !!

      
يبدو أننا أصبحنا فعلاً دولة عالمية متحضرة، نتشابه في كثير من المكونات مع مدن العالم الأول، ليس في العمران والنظافة والتطور التقني فقط، بل حتى في الكوارث ومستوى الحوادث التي تقع وتخلّف وراءها قتلى وإصابات وأشياء أخرى كثيرة.
 

مستوى حادث ضباب «غنتوت» كان عالمياً في أجوائه، وطريقة حدوثه، وعدد السيارات التي شاركت فيه، ومن ثم جاء الدور على «القوز» لتشهد حريقاً عالمياً في حجمه وانتشاره وأضراره التي خلّفت خسائر مالية ضخمة، ومن هنا فإن علينا انتظار الأسوأ، فالحوادث الكبيرة هي سمة من سمات المدن العالمية، وهذا بلا شك أمر طبيعي مع كبر حجم المدن، وزيادة عدد سكانها، وعلو أبراجها، وكثرة مبانيها، وفساحة شوارعها.


ولكن وبما أننا اخترنا أن نكون ضمن العالم الأول، وقطعنا في ذلك شوطاً كبيراً نفتخر به جميعاً، فعلينا أن نكون عالميين في كل شيء، فلا يُعقل أن نكون مدينة راقية متطورة في البناء والعمران، ونعاني من ضعف واضح في التخطيط والإشراف والرقابة على كل صغيرة وكبيرة؟! ولا يكفي أن نكون مدينة سريعة النمو والتمدن، ونعاني من خلل كبير في السيطرة على مناطق واسعة تقع في منتصف المدينة، ناهيك عن الأطراف!!

ومن الغريب جداً أن نستطيع تحقيق أرقام مذهلة في التجارة والاقتصاد، ونجمع المليارات جراء التصدير والاستيراد وإعادة التصدير، ونحن لا نملك مقومات تشريعية وقانونية لتطوير ذلك، كما لا نملك جهات فاعلة تستطيع التحكم وفرض رقابة على عمليات الاستيراد والتصدير ومراقبة النشاط التجاري بشكل فاعل!!

ألا تعتقدون أنه من المذهل حقاً أن نستطيع إدارة موانئ عالمية في مختلف دول العالم بنجاح كبير، ونحن نعاني إلى اليوم من «تسيّب» واضح في موانئ صغيرة منتشرة في أنحاء الدولة تحولت «واقعياً» لتصبح بمثابة «خروق» كبيرة في سفينة الدولة يستغلها الكثيرون لأنشطة ممنوعة ومشبوهة. كيف ستسير السفينة في محيطات العالم الصعبة وفيها من الخروق ما لا يمكن «ترقيعه»؟!

استطعنا في سنوات قليلة لا تتعدى 40 عاماً بناء دولة حديثة عصرية متطورة في مجالات عديدة، سبقنا فيها مَن حولنا بل سبقنا فيها دولاً عالمية كبيرة، لا أحد يختلف على ذلك، ولكن هذا التطور السريع تركز في أشياء وغاب عن أشياء لا تقل أهمية، فالحضارة والتطور ليسا مسألة انتقائية نختار ما يعجبنا منها، بل هما عملية تكاملية لا يجوز تفتيتها!! حادث الضباب، وحريق القوز، يجب أن يكونا جرس إنذار لنا، لنعرف أهمية التخطيط لتفادي الكوارث بدلاً من التعامل معها بعد وقوعها، يجب أن نعترف بأخطائنا التي تعيق مسيرة التطور ونلتفت إليها، نلتفت إلى الرقابة الضائعة، والفوضى السائدة في المناطق الصناعية، نلتفت إلى تطوير قدرات الدفاع المدني والكوادر البشرية فيه وفي مختلف الأجهزة الأخرى، نلتفت إلى مستشفياتنا ومدى جاهزيتها للاستيعاب، نلتفت إلى عدم ترك الأمور دون إشراف ومتابعة وحملات تفتيشية عشوائية ومنظمة، يجب علينا الالتفات إلى أن من أهم مبادئ التطور «التخطيط المسبق»، و«الرقابة المسبقة واللاحقة»، والاستعداد لكل الأمور «اللوجستية» الأخرى المصاحبة للتطور.. فهل سنلتفت إلى ذلك؟
 
  
 
reyami@emaratalyoum.com