5 دقائق

  
كتب أحدهم في جريدة «العالم» الأسبوعية في عددها الـ50 مقالاً بعنوان:  يشهد الله لنبيه ولا يشهد المؤرخ، ردّ فيه ما لم يسغ له من واقعة بدر الكبرى، بدعوى أن ذلك يتنافى مع عظمة أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- فأردت أن أقول له:


ليس الأمر كما تتصوّر، هذه حرب مصير، وليست حرب نزهة، سمّاها الله تعالى: الفرقان؛ لكونها فرقت بين الحق والباطل، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيها ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض؛ لأن قريشاً كانت تريد استئصال المسلمين بذلك الجيش الجرار تماماً. ثم أرأيت لو أن كفار قريش سبقوا إلى الماء وقد كانوا عليه حريصين، كما دلّ عليه أول المبارزة؛  أكانوا سيسقون المسلمين منه؟ ألم تقل إن الحرب خدعة؟ نعم هي كذلك، ولكن عند من  يعرف فنون الحرب وأصنافه:


وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم       وما هو عنها بالحديث المرجَّم


وليتك تركت هذه الزاوية ليعلّق عليها الجنود الذين يعرفون قيمة الماء لفصل المعارك، بل ليتك تعلم أن من عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم أن يضع كل خلق في مقامه، أما سمعت الشاعر العربي يقول:


فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً       فليقسُ أحياناً على مَن يرحم


هذا هو سر عظمة خلق رسول الله صلى عليه وسلم في التوازن:


فوضع الندى في موضع السيف بالعلا    مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى


أكان يسرك لو سبقت قريش إلى الماء وهم أولو بأس شديد؟  أكانوا سيسقون المسلمين منه وهم عصبة قليلة العدد والعُدة؟ تفكر -وفقك الله- ولا تخض مع الخائضين، كيف يسيل دمعك إذا ما سمعت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وقصة مولده، ولا يسيل على ما تحمّل من أذى، وما أريد له ولدعوته وصحبه من الردى؟! هذه مفارقات..
 
ونصيحتي لك أن لا تكون عوناً لأعداء رسولك، لاسيما في هذا الوقت الذي كنت فيه مبرراً لهم، ومخذلاً  لأمتك بهذه التشكيكات التى هي أوهام وليست حقائق،أكثر من كونك مدافعاً عن نبيك ناصراً لأمتك، وليتك عرضت ما أشكل عليك على أهل الاختصاص من العلماء أو القادة العسكريين، ولو كنت أعرف كيف الوصول إليك لأطلعتك على كتاب قيم لقائد عسكري عن قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيوش، وتكون بذلك قد أعطيت القوس باريها، وسألت أهل الذكر في هذا المجال، كما أمرك الله تعالى.


أرأيت لو كان في قريش رجل رشيد وقد منعت الماء ؛ فلمَ لم ترجع على أعقابها حرصاً على حياتها إذا كان العطش سيقتلها؟ لا أظن إلا أنه قد خفي  عليك أن قريشاً جاءت بقضها وقضيضها تحادّ الله ورسوله وتصدّ عن سبيل الله بطراً ورئاء الناس، وهم بين 900-1000 مقاتل،  كلهم فارس أو راكب جمل، ومعهم المطايا يحملن الخمور والزاد والماء، ويقولون: والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم بها ثلاثاً، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلايزالون يهابوننا أبداً! 

 والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..