الشركات متعددة الجنسيات تضـع الاقتصاد الأميركي على المحك

يعاني الاقتصاد الأميركي ركوداً كبيراً وعجزاً في الميزانية أديا إلى تراجع حاد في قيمة الدولار، ولاتزال العملة الخضراء تفقد من قيمتها حتى سجلت أرقاماً قياسية مقارنة بالعملات العالمية الرئيسة. ويفكر العديد من الدول في فك ارتباط عملتها بالدولار بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت باقتصادياتها.

ويتساءل الخبراء عن الإجراءات، التي يجب اتخاذها، لإنقاذ أكبر اقتصاد في العالم من الانهيار. وتلعب الشركات المتعددة الجنسيات دوراً مهماً في الدورة الاقتصادية الأميركية، ويسهم بعضها بشكل فاعل في توازن العرض والطلب في ما يخص اليد العاملة والمواد المصنعة.

ومن بين الشركات العالمية التي تستقطب عدداً كبيراً من العمال، شركة «كورنينغز»، حيث انخفضت نسبة البطالة في مقاطعة ستوبن، التي تتخذها الشركة مقراً لها، بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، ويعود ذلك إلى التزام «كورنينغز» بتنمية المنطقة التي تنشط فيها.

ويبدو أن الولايات المتحدة تحتاج، في هذه المرحلة، إلى المزيد من الشركات العالمية التي تأتي للاستثمار على أراضيها، من أجل التخفيف من تأثير بطء النمو على المجتمع الأميركي. مع العلم أن الشركات الأجنبية تحقق أرباحاً معتبرة مقارنة بنظيراتها المحلية، بسبب ارتفاع نسبة مبيعاتها داخل أميركا وفي الخارج.

فقد بلغت استثمارات أربع شركات، هي «هيلويت بيكيرد» و«بفايزر»، و«إي باي»، و«سارة لي»، 500 مليار دولار نهاية .2007 ويتصدر هؤلاء العمالقة قائمة تضم 150 شركة متعددة الجنسيات، تعمل في الولايات المتحدة. يقول تقرير لمكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة «إن قطاع الشركات المتعددة الجنسيات لم يكن عاملاً محفزاً لنمو الاقتصاد الأميركي، بل أسهم في تباطئه منذ 2000». وتشير البيانات التي قدمها المكتب أن هذه الشركات قامت بالاستغناء عن عدد هائل من الوظائف، يقدر بمليوني وظيفة، في الفترة ما بين عامي 2000 و2005، على مستوى الولايات المتحدة.

ولعل «تويوتا» هي الشركة الوحيدة التي أبحرت ضد التيار العام للشركات الأجنبية، واستقبلت 9000 عامل جديد. ومع انخفاض قيمة الدولار وزيادة التكلفة في الخارج، يتعين على الشركات المتعددة الجنسية الأكثر إنتاجية أن تنقل بعض نشاطاتها الخارجية إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يتطلب بدوره توظيف المزيد من اليد العاملة الأميركية.

وقد بدأت بعض الشركات على اتخاذ خطوات في هذا الصدد مما انعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني، وشهد الربع الأخير من العام الماضي أكبر موجة تحويل نشاط إلى أميركا منذ عام .2000 وتوقّع خبراء مكتب إحصاءات العمالة في واشنطن، قبل 10 سنوات، أن يشهد الاقتصاد الأميركي انتعاشاً مهماً، وارتفاعاً في كمية الصادرات.

وبمساهمة الشركات الأجنبية، سوف يتمكن القطاع الخاص والعام من التخفيف من حدة التضخم، إلا أن ذلك لم يحدث وبقي التضخم المشكلة الرئيسة في طريق تعافي الاقتصاد. ويرجع ذلك إلى تحويل أهم عمليات الشركات إلى خارج الولايات المتحدة، فقد نقلت شركات جنرال إليكترك و«أي بي ام» و«يونايتد تكنولوجيز» عملياتها إلى أسواق آسيا وأوروبا، ما أهّلها لكي تصبح مؤسسات عالمية تتميز بقوى عالمية.

التوسع خارج أميركا

وتراجع نمو الصادرات بنسبة 50% مقارنة بتقديرات مكتب الإحصاءات، ولم يتحقق الازدهار الذي تحدثت عنه دوائر أميركية. والواقع أن الشركات متعددة الجنسيات قد بدأت منذ نحو 10 سنوات، في عملية «الانفصال» عن الولايات المتحدة، رغم أن أسماءها لاتزال مدرجة في أسواق المال، كما أن غالبية أصحاب الأسهم فيها أميركيون، إلا أن توسعاتها وزيادة نشاطها كان في الخارج.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة إلكترونيك دايتا سيستم، رونالد ريتنماير، «لدينا عملاء في مناطق أخرى من العالم ينتظرون منا أن ننجز لهم الكثير».

وأوضح «سوف تستمر القاعدة العمالية في التحول مع استمرار الاهتمام بالمناطق الأقل تكلفة خارج الولايات المتحدة». وتتوقع الشركة أن يرتفع عدد موظفيها خارج أميركا إلى 45 ألف عامل بنهاية العام الجاري، بعد أن كان العدد لا يتجاوز 14 ألفاً في .2005 وفي الوقت الذي قررت الشركات الكبرى تحويل نشاطاتها إلى آسيا وأوروبا من أجل توسيع عملياتها وزيادة هامش الربح، لم تحل الشركات الأميركية الصغيرة والمتوسطة محلها في مجال التصدير.

وفي هذا الخصوص، قال تقرير لمكتب الإحصاءات إن عملية التصدير، في 2006، تم احتكارها من طرف الشركات التي يزيد عدد عمالها على 500، وتضمن هذه الشركات 71% من مجموع البضائع المصدرة.

وهي البيانات نفسها المسجلة في عام .2000 وتراجعت حصة الشركات الأجنبية من الناتج القومي حيث بلغت 18.5% في 2005 بعد أن كانت 21.8% في عام .2000 ويرجح الخبراء أن يستمر التراجع.

وفي المقابل، أطلقت شركات عالمية أخرى استثمارات عملاقة في الولايات المتحدة، مثل «سيمنس» التي أقامت مصنعاً لشفرات توربينات توليد الطاقة من الرياح، في ولاية آيوا، في .2007 وفي ذلك يقول الرئيس التنفيذي للشركة جورج نولن، «هناك إقبال كبير على هذه المنتجات في الأسواق الأميركية».

ويرى الأستاذ في كلية التجارة بهارفارد، كريستوفر بارليت، انه من الأفضل للاقتصاد الأميركي أن تكون ملكية الشركات المتعددة الجنسيات للأميركيين، وبذلك ستكون عائداتها الخارجية في مصلحة الولايات المتحدة.

التكلفة والعائدات

يبدو أنه قد حان الوقت لكي تقوم الشركات الأجنبية في الولايات المتحدة بدعم حقيقي للاقتصاد، اذ فقد الدولار 20% من قيمته مقابل العملات الرئيسة، وهو أسوأ تراجع منذ عام .1973 وفي الوقت الذي ارتفعت تكاليف التشغيل في الصين والهند، وزادت مصاريف النقل البحري؛ ما أثر سلباً في أسعار البضائع، يقول البعض إنه من الأفضل نقل نشاطات الشركات إلى الولايات المتحدة، لأن ذلك «سيكون أكثر جاذبية».

إلا أن أصحاب الشركات ومجالس إدارتها يبررون نفورهم من السوق الأميركية بسبب نظام الضرائب. فالولايات المتحدة، حسب بيانات منظمة التعاون والتنمية، تعتبر من الدول التي تفرض ضرائب عالية جداً على الشركات.

وبتحويل نشاطاتها إلى الخارج يمكن لهذه الشركات أن تقدم التبريرات القانونية لإعفائها من دفع الضرائب داخل الولايات المتحدة. كما يمكن لرؤوس الأموال أن تختار دولاً يكون فيها النظام الضريبي مرناً بشكل لا يلزمها بدفع مبالغ كبيرة للضرائب.

وهدا التهرب الضريبي يضع الموازنة الأميركية في وضع محرج، حيث تتراجع حصيلة الضرائب بشكل كبير، نظراً لحجم الشركات المتعددة الجنسيات التي يفترض أن تدفع ملايين الدولارات لخزينة الدولة.

ويرى الخبير الاقتصادي جاك موتي، أن «الشركات استفادت من الفرق في التكلفة بين أميركا والمناطق الأخرى. والقانون عندنا معقّد بشكل لا يستطيع الشخص أن يفهم ما هي المبادلات التجارية».

عن "البيزنس ويك "

طباعة